المواطن بين ثقافتين

يعتقد الغربيون انه من الصعب قراءة التفكير الشرقي أو الصيني تحديدا. يعتقد الصينيون أن طريقة التعبير الغربي عن الرأي هي فظة أو غير مهذبة ولا تحترم أصول العلاقات. لكل ثقافة مزاياها وتبقى الفروقات كبيرة بالرغم من عقود أو قرون من العلاقات. على كل ثقافة أن تفهم الأخرى وتحترمها اذ ليس هنالك جيد وسيئ، فلكل منها مزاياها. العالم أجمع أخذ أفكارا من الثقافتين للتقدم. بالنسبة للصينيين، النشاط المهم هو زيارة الأصدقاء والعائلة والحوار أي تقوية العلاقات العائلية والاجتماعية مصدر القوة. بالنسبة للصينيين الانسان هو جزء من مجتمع يقوى به أي أن قوة الانسان الفردية ليست مهمة كما في العقلية الغربية. لذا كانت الصين أقوى بالانتاج الصناعي من الغرب لأنها قوت المجموعات وأنتجت. يفضل الصينيون التنفيذ وليس التركيز على الفكر والنظريات كما يحدث أحيانا في الغرب. أما في الرياضة وفي ألعاب طوكيو الأولمبية، تفوقت الولايات المتحدة على الصين مما يشير الى أن لكل من النظامين قوته. دور الانسان أو الفرد هو القيام بما تطلب منه المنظومة الاجتماعية المبنية على التسلسل في الرتب من الأعلى الى الأسفل. ليس هنالك في المجتمع الصيني ما يشبه الحرية الفردية الغربية. ليس هنالك في المجتمع الغربي ما يشبه التعاضد العائلي أو المجتمعي الصيني. في الصين، يتجنبون النقاش أو المناظرات التي تبنى عليها الحريات الغربية. يفضلون في الصين الوقوف وراء العائلة أو المجتمع وعدم المواجهة في الرأي. هذا يميز أيضا طبيعة الموسيقى الصينية عن الغربية. ترابط الثقافتين يعقد الأمور والاتصالات، لذا اختيار السياسات الاقتصادية الفضلى ليس سهلا. هل السياسات الأميركية أفضل من الصينية؟ النمو القوي المتواصل يؤدي في أكثرية الأحيان الى أزمات اجتماعية وزيادات في الفقر والبؤس. يرفع مستوى المعيشة لكنه في نفس الوقت يضر بالبيئة ويزيد التلوث القاتل. النمو المعتمد على التكنولوجيا المتطورة يرفع أحيانا نسبة البطالة ويؤدي الى فقر عميق، كما لم يعد ممكنا معها للانسان أن يرتاح أو يأخذ الاجازات اذ أصبح العمل 24 ساعة على 24. العمل من المنزل بسبب الكورونا خلط المنزل بالمكتب. قوة الأسواق المالية في مجتمعاتنا عقدت الأمور ورفعت المخاطر وجعلت الانسان قلق على نفسه ومستقبله. "مصلحة المساهم أو المالك هي مصلحة المجتمع"، ولو أتت على حساب العامل أو الفقير. ارتفاع سعر السهم هو مؤشر على النجاح الاستثماري حتى لو نتج عنه صرف مئات الموظفين. المؤسسات العامة عموما لا تعمل بنجاح، وهنالك ضغوط لتحويلها الى القطاع الخاص. هذا جيد في المبدأ، لكن المشكلة أن الانتقال الى الخاص لا يفيد في معظم الأحيان الطبقات الوسطى وما دون اذ يرفع الأسعار ولا يحسن النوعية. كما أن الاستشارات المهنية العالمية تصب أكثريتها في مصلحة رأس المال وضد العمال، مما يخلق أجواء توتر وعنف كالذي نشهده في أوروبا وأميركا وغيرهما. سعادة الانسان يجب أن تبقى هدف كل اقتصاد.