في السنوات الأخيرة تداول الناس مصطلحا جديدا انتشر بينهم كالنار في الهشيم، فبات معظمهم يتحدث عن «حرب العملات» وآثارها علينا وعلى اقتصاداتنا، بل حتى أنّ نشرات الأخبار السياسية والاقتصادية لم تدخر جهدا للحديث وبالتفصيل عن آخر مستجدات هذه الحرب، فهنا نشهد ارتفاعا للدولار الأمريكي، وهناك نلحظ انخفاضا لليورو الأوروبي، وفيما بينهما نراقب عن كثب تحركات اليوان الصيني وغيرها الكثير، فما هي حرب العملات؟ وما هو الهدف منها؟ وما هي آثارها؟ بشكل سريع ومباشر يمكن تعريف حرب العملات على أنها «قيام دولة ما باستخدام سياسات مالية ونقدية للتدخل المباشر أو غير المباشر في أسواق العملات مما يؤدي إلى التغير في قيمة عملتها مقارنة بعملات الدول الأخرى، وذلك لتحقيق هدف اقتصادي معين، غالبا ما يكون مواجهة الأزمات المالية، أو خلق حالة من التحفيز للنمو الاقتصادي والتجاري». وبالرغم من أن مصطلح حرب العملات يشير إلى عملية تخفيض قيمة العملة أو رفعها، إلا أن عملية تخفيض العملة هي الحالة الأكثر انتشارا في العالم، حيث تهدف هذه العملية إلى تحقيق أفضلية على باقي الدول من خلال خفض أسعار صرف العملة المحلية مقابل العملات الأخرى وهو ما يجعل صادرات السلع الوطنية أقل تكلفة في الأسواق الأجنبية ما يزيد من تنافسيتها ويرفع الطلب عليها مقابل سلع الدول الأخرى، ولكن وفي نفس الوقت فإن هذه العملية أيضا تؤدي إلى خسارة الدول الأخرى من حصتها السوقية وهو ما يؤثر سلبا عليها، وهو الذي يعتبره البعض أحد أشكال الحروب الاقتصادية الباردة. أما طرق التدخل لتخفيض العملة المحلية فهي تتم إما عبر التدخلات المباشرة مثل زيادة طباعة العملة المحلية دون غطاء ومن ثم نشرها بالأسواق، وكذلك بتخفيض سعر الفائدة على الودائع بالعملة المحلية لجعلها أقل جذبا للمودعين، أو عبر تدخلات غير مباشرة مثل نشر تصريحات وأخبار سلبية تساهم في خفض قيمة العملة مثل توقعات بضغوط مالية قد تواجهها الدولة مستقبلا، أما أهم آثار هذه الحرب فهي زيادة الصادرات من السلع المحلية، نظرا لانخفاض أسعارها بالأسواق العالمية وهو ما يحفز الاقتصاد ويوفر فرص عمل جديدة، وهنا يجب التنويه إلى أن الشرط الأساسي لذلك هو أن تكون هذه الدولة دولة صناعية قادرة على تلبية احتياجاتها الأساسية من منتجاتها المحلية، فتخفيض قيمة العملة والذي يجعل من الصادرات أكثر تنافسية يجعل أيضا من الواردات أكثر تكلفة، وهو ما يزيد من أسعار المنتجات الأجنبية في الأسواق المحلية وبالتالي يسبب ضغطا كبيرا في حال عدم توافر بدائل داخلية. عملية خفض قيمة العملة تشجع العمالة المحلية على السفر للعمل بالخارج، فالعملات الأجنبية ذات القيمة المرتفعة تصبح أكثر إغراء لهم، وهو ما يساهم في خفض معدلات البطالة وتحسين ميزان المدفوعات بسبب التحويلات النقدية التي يقوم بها هؤلاء لاحقا إلى دولهم. ارتفاع معدلات التضخم نظرا لضعف قيمة العملة، وهو ما قد يسبب مشاكل اجتماعية أحيانا. انخفاض قيمة العملة يسهل على المقترضين بالعملة المحلية سداد الديون المستحقة عليهم، وهو ما يخلق تحركا إيجابيا في الدورة الاقتصادية. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن حرب العملات وبرغم أنها حرب بلا دماء إلا أن آثارها السلبية قد تمتد من جيل إلى آخر، ولنا في التوترات الأخيرة بين الولايات المتحدة الأمريكية والصين خير مثال، فبالرغم من أن الاقتصاد الأمريكي هو الأقوى والأكبر في العالم إلا أن مرونة وسرعة تغير الاقتصاد الصيني جعل منه تنينا قادرا على هز العرش الاقتصادي للأمريكيين، وهنا أتذكر مقولة روبرت مردوخ الشهيرة «العالم يتغير بسرعة، فالقوي لن يهزم الضعيف مستقبلا، بل السريع سوف يهزم البطيء» وبهذه المناسبة أستذكر أهمية قصة طفولتنا الأشهر حول الأرنب المغرور الذي تحدى السلحفاة المثابرة للقيام بسباق في الغابة وبعد أن بدأ السباق وتقدم الأرنب كثيرا، وبينما كانت السلحفاة لا تزال في بداية الطّريق، توقّف الأرنب عن الركض لفرط ثقته بنفسه وقرر أن يأخذ قسطاً من الراحة وينام، وهنا حدثت المفاجأة، فالسلحفاة الضعيفة والتي تابعت المشي ولم تتوقّف أبداً وصلت إلى خط النّهاية قبل الأرنب القوي وفازت بالسباق بينما كان هو لا يزال مستغرقا بالنوم.