النقود إلى زوال

بدأت علاقة الإنسان بالعملة منذ آماد بعيدة ويرجع تاريخ أول عملة نقدية إلى أربعة آلاف سنة، وكان اكتشاف العملة إيذانا بقفزة هائلة في حياة الناس. النقود تطورت عبر العصور وكانت لها أشكال عدة فابتدأت من التبادل السلعي للسلع ثم تبادل المعادن الثمينة كالذهب والفضة، وأخيراً العملات الورقية المعمول بها حالياً. سببان رئيسيان قد يعجلان بزوال العملات من الوجود، الأول صحي والثاني اقتصادي يساندهما سبب آخر تقني يتمثل في الثورة الرقمية. النقود تعتبر ناقلا لأكثر أنواع الأمراض الخطيرة وكما يقول الأطباء فإن قائمة الأمراض التي تنقلها العملات الورقية طويلة أولها الأمراض البكتريولوجية، وتمثلها الميكروبات التي تعيش في فم الإنسان المصاب وحلقه، ومنها فيروس الالتهاب الكبدي، وميكروب الحمى التيفودية، وميكروب النزلات المعوية الحادة مثل السالمونيولا، والدوستناريا الباسيلية، والميكروبات السبحية والميكروبات العنقودية. والنوع الثاني هو الأمراض الطفيلية، كبويضات الدودة الدبوسية «اكسيورس» وبويضات الدودة الشريطية القزمة والأكياس الجيارديا والأكياس الأميبية المسببة للدوسنتاريا المعوية والنزلات المعوية وبويضات الإسكارس وتسبب النقود إلى جانب هذين النوعين بعض الأمراض الفطرية التي تصيب الجلد والأصابع مثل الجرب والتينيا التي يسهل انتقالها عبر العملات الورقية، وتنتقل من الأظافر إلى اليدين، ومن ثم إلى باقي الجسم، وقد يصاب الإنسان بفيروس هيربس البسيط ويتحول إلى جرح بسيط ثم التهاب واحمرار وتقشر باليدين. وذلك لأن الأوراق النقدية تتنقل في رحلة طويلة تتخللها أساليب خاطئة في التعامل معها فالبعض يضعها في مخبأ ملاصق لجسده والبعض الآخر يقوم بعدها مستخدما لعابه ويكمن الخطر عندما يضعها الأطفال في أفواههم. ومع قوة ووجاهة هذا السبب إلا أن السبب الاقتصادي يعد دافعا أقوى للعمل على إعدام النقود وطي صفحتها من سجلات التاريخ، فالاعتقاد السائد هو أن الأوراق المالية المدفوعة نقدا هي مصدر رئيسي للمشاكل التي تؤدّي إلى الفشل الاقتصادي لاتساع نطاق المجالات المظلمة التي تتغذى نشاطاتها بالعملات الورقية غير الخاضعة لعمليات الضبط الدقيق بدءا من الفساد والإرهاب مرورا بتجارة المخدرات والتهرّب من الضرائب وليس انتهاء بالجريمة المنظمة والهجرات غير الشرعية واللجوء إلى التهريب والمسائل المتعلّقة بالأمن. وبالفعل بدأت كثير من الاقتصادات المتقدّمة في التعاطي عبر العملات الإلكترونية على حساب العملات الورقية، حيث شرعت السويد بالتوجه نحو العملات الرقمية للحد من الأوراق النقدية المتداولة، ودولة الإمارات العربية لن تتعامل بالنقود الورقية أو المعدنية بشكل كلي وذلك في موعد أقصاه عام 2020م. وتتمدد العملات الجديدة يوما بعد يوم رغم أنه يتم اليوم تداول أكثر من 1,4 بليون دولار أمريكي في العالم خاصّة من فئة المائة دولار. يمكننا القول إن شبكات الإنترنت والثورة الرقمية التي تجتاح العالم الآن تسرع بعملية الإلغاء التدريجي للعملات الورقية، فالعملات الإلكترونية تتسيد السوق الآن وبدأت تزحف بقوة لدك معاقل العملات النقدية وتشييعها إلى مثواها الأخير.