إن تلك النجاحات التي حققتها في حياتك وتلك المرات التي تذوقت فيها طعم الفشل وشعور الفرح مع فريق العمل بعد إتمام صفقة ما أو حل مشكلة كبيرة، تلك الانكسارات والخيانات، كل ذلك في آن معا هو ما يطلق عليه الخبرة وهي التي تحدد من نحن الآن وماذا سنكون غداً، تلك الذكريات هي ما يحدد دخل الفرد ومنصبه وموقعه الاجتماعي، هي أيضاً ما يرسم شخصية الكيانات والشركات والمؤسسات، فكما أن هناك ذكريات تحدد مسيرة الأفراد هناك سجلات تحدد مستوى الشركات وقدراتها الائتمانية وقدرتها على الاقتراض وعلى تنفيذ المشاريع. إننا لا نستطيع أن نبدأ من جديد أبداً، إننا لا نستطيع أن ننسلخ عن ماضينا، لا كأفراد ولا كمؤسسات ولا حتى كدول، إننا نحمل دائماً إرث أعمالنا وأن أي تعديل في المسار لابد أن يأخذ بعين الاعتبار معطيات وإرث الماضي الذي هو سبب ومكون الحاضر الذي نعيشه، فلن تستطيع منشأة ضعيفة المستوى الائتماني أن تحصل على قرض نظامي من البنوك، ولن يستطيع طالب قد أخفق في دراسته الثانوية أن يلتحق في كلية الطب، ولكن هذا يقود إلى تعريف مفهوم التغيير الحقيقي والقائم على تحليل الماضي بكل مكوناته وسلبياته ونجاحاته وتحليلها والبناء عليها. إن من أكثر الأفكار ضررا على إمكانية النجاح وعلى الطموح هي محاولة قلب الصفحة والبدء من جديد متناسين إرث الماضي، حاولت بعض الشعوب والحركات التحررية والمنظمات الإنسانيه في بعض الدول في السنوات القليلة الماضية الانتقال إلى مفهوم جديد متطور منسوخ من الإدارة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والعمالية وغيرها من مناحي مكونات الحياة، إلا أنها وبمعظمها لم يحالفها التوفيق مع تقدير كل الجهود الصادقة، إلا أنه ومع التعمق والتحليل من الناحية المهنية البحتة المتعلقة بالعمليات التشغيلية قد وجد أن كل طرح جديد أراد أن يلغي السابق بغض النظر عن مدى فاعليته من عدمها، فعلى سبيل المثال والطرح إذا كان أحدهم أدمن على التدخين لعقود من الزمن ومع الإيمان بضرر التدخين إلا أن التوقف المفاجئ عن التدخين سيسبب لا شك آثارا انسحابية قد تفوق الصور المباشرة له. والقصد من وراء القول هو أنه لابد من الأخذ بعين الاعتبار كل مكونات الماضي والتي لا يمكن التغافل عنها. إن الفساد واستمراء أكل المال العام والمحسوبية والترهل الإداري وسوء استغلال المنصب وغيرها كثير من القيم السلبية المتأصلة في مجتمعات دول العالم النامي أو الثالث أو النائم، تلك قيم لا يمكن إلغاؤها أو فصلها أو تحييدها بشكل كلي ومباشر ونهائي، إن التغيير على مستوى الشعوب والأمم لا بد أن يحمل في طياته أعراض الماضي وأن النجاح الحقيقي هو إيجاد قنوات يسير فيها الفساد بشكل منتظم إلى أن يصل إلى حالة من الاستقرار المقنن وبعد ذلك ومع الوقت يتم تضييق تلك القنوات التي أصبحت واضحة للنظام إلى أن تصل إلى الحد الذي يمكن اعتبارك بكتيريا نافعة تحت السيطرة. إن التغافل عن ذكريات شعوبنا الماضية سيؤدي دائماً إلى اتخاذ قرارات حاضر خاطئة وأن مستقبل الأفراد والمؤسسات والأمم لا يبنى إلا على أسس الماضي وقدرات الحاضر وطموحات المستقبل ورؤية الأفق، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى اللقاء.