بعد ثلاثة أشهر من الآن سوف لن تتحدد مسارات الاتحاد الأوروبي فحسب، وإنما وجود المملكة المتحدة ووحدتها، كامبراطورية سابقة لا تغيب عنها الشمس أيضا، ففي الثالث والعشرين من شهر يونيو القادم سيطرح من خلال استفتاء عام سؤال بسيط "هل توافق على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي" نعم أم لا. الإجابة على هذا السؤال بالإيجاب أو السلب سهلة للغاية، إلا أن التداعيات، وبالأخص الاقتصادية التي ستترتب عليه مؤثرة وخطيرة جدا، فبريطانيا رغم أنها غير عضو في منطقة اليورو، إلا أنها مكون أساسي في المجموعة الأوروبية، إذ تعتبر لندن المركز المالي للاتحاد، كما أن تجارتها مع بقية الدول الأعضاء تشكل أهمية كبيرة لها وللعديد من البلدان الأوروبية، علما بأنه يقيم على أراضيها ويعمل ملايين من مواطني الاتحاد الأوروبي، حيث تسمح لهم الاتفاقيات الموقعة بالعمل والضمان الاجتماعي. لذلك، فإن بقاء المملكة المتحدة ضمن الاتحاد سيعزز من الاقتصاد الأوروبي ويدعم قدراته التنافسية المحتدمة مع الولايات المتحدة والصين والتكتلات الاقتصادية الأخرى في العالم، أما انفصالها، فإنه سيعد كارثة لبريطانيا ذاتها أكثر منه للاتحاد، فأوروبا منفذ مهم لمعظم الصادرات البريطانية، حيث تستقبل أكثر من 65% من إجمالي هذه الصادرات، في الوقت الذي تشكل الواردات البريطانية من دول الاتحاد النسبة الأكبر من إجمالي وارداتها. أما في حالة التصويت بلا، فإن وضع المجموعة الأوروبية سيهتز بصورة عنيفة، إلا أن الاتحاد سيبقى مستمرا، في حين ستؤدي النتيجة إلى انفصال اسكتلندا عن المملكة المتحدة، مع كل ما يترتب على ذلك من عواقب اقتصادية وخيمة. ومع أنه من الصعب التكهن بنتيجة الاستفتاء لأسباب عديدة، إلا أن رئيس الوزراء البريطاني "ديفيد كاميرون" المؤيد للعضوية اختار الوقت المناسب لإجراء الاستفتاء، حيث ستكون أعداد كبيرة من البريطانيين مشغولين بالإجازات الصيفية، في حين ربما يساهم هذا التوقيت في الحد من الخلافات بين الصفوة في حزب المحافظين الحاكم ذاته، فعمدة لندن "بوريس جونسون" والمرشح القوي لخلافة كاميرون يقود حملة ضد استمرار عضوية بريطانيا في الاتحاد، مما يعبر ليس عن انقسام البريطانيين حول هذه القضية فحسب، وإنما انقسام الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني وتفاوت مواقفها بسبب تفاوت المصالح والأضرار الاقتصادية والمعيشية في كلتا الحالتين، فقوانين الاتحاد تفرض على المملكة المتحدة فتح حدودها أمام المهاجرين من الدول الأعضاء، وبالأخص دول أوروبا الشرقية الفقيرة، في حين تكلفها العضوية مبلغ 12.9 مليار جنيه استرليني أو ما معدله 35 مليون جنيه يوميا. في المقابل تستفيد بريطانيا كثيرا من عضويتها في الاتحاد، ففي حالة انسحابها ستتكبد خسائر بنحو 224 مليار جنية استرليني، بالإضافة إلى خسارة جزء كبير من الاستثمارات الأوروبية وسيفقد البريطانيون فرص عمل كثيرة في الشركات الأوروبية، علما بأن العديد من البنوك الكبرى ستغادر لندن بسبب فقدانها لميزة وجودها في إحدى مدن الاتحاد والذي يمنحها امتيازات عديدة، مما سيؤثر على مركز لندن المالي، هذا ناهيك عن الجوانب السياسية والعسكرية والأمنية. الأخطر من كل ذلك هو تهديد الحزب القومي الأسكتلندي والذي فاز العام الماضي بكامل مقاعد أسكتلندا ما عدا واحدا في الانتخابات العامة بالانفصال عن المملكة المتحدة في حالة خروجها من الاتحاد الأوروبي، لتنضم اسكتلندا فيما بعد ليس للاتحاد الأوروبي فقط، وإنما للعملة الموحدة "اليورو" مما سيشكل انتكاسة للعملة البريطانية. إذن مسارات الاتحاد الأوروبي ومصير المملكة المتحدة على المحك هذا الصيف، حيث لن تقتصر تداعيات نتائج الاستفتاء على المجموعة الأوروبية وبريطانيا من ضمنها ولكنها ستطال العديد من البلدان والنظام المالي العالمي ككل، وذلك بسبب ثقل كل من الاتحاد الأوروبي والمملكة المتحدة الاقتصادي على المستوى الدولي.