قد يكون العام 2020 علامة فارقة في تاريخ الاستثمار، هذا العام الذي لا يزال مستمرا بحفر اسمه في ذاكرة الاقتصاد العالمي، لم يتوقف حتى الآن عن مفاجأتنا بتحركات اقتصادية ستجعل منه بلا شك محور اهتمام ودراسة لجميع المستثمرين والمهتمين بالقضايا والأمور الاقتصادية لسنوات بل لعقود قادمة. بدأ العام وبدأت معه أزمة عالمية جديدة لم تشهدها الأسواق في السابق، فمن إغلاقات بالجملة وعمليات حظر للتجول وإغلاق للمطارات، إلى إقامات جبرية وتوقف في الأعمال وغيرها الكثير، كلها كانت ضغوطات جديدة واجهها قطاع الأعمال في محاولة من الدول لوقف الانتشار السريع لفيروس كورونا، والذي تحول بغضون أسابيع من فيروس إلى وباء، ليقضي بذلك على طموحات الكثير من المستثمرين حول العالم. انخفاضات كبيرة بأسواق المال، أسهم وسندات انخفضت بما يزيد على نصف قيمتها السوقية، أعمال توقفت، وظائف فقدت وغيرها الكثير، كل ذلك ذهب ببعض الدول إلى تخفيض الفوائد لمستويات صفرية، تلاها وبشكل سريع إقرار لحزم اقتصادية مختلفة كبدت هذه الدول احتياطات ومدخرات سنوات سابقة، حتى أن بعضها أصبح يتأرجح على حافة الإفلاس. لم تبدأ الحزم الاقتصادية مهامها بدعم الشركات، حتى شهدنا حادثة لن تنساها أسواق السلع والبضائع لهذا الجيل وربما لأجيال قادمة، فللمرة الأولى بالتاريخ شهدت شاشات التداول أسعارا سالبة لأحد المنتجات وبالتحديد (نفط خام غرب تكساس تسليم مايو) (WTI ) والذي غير خلال جلسة تداول (الإثنين الأسود) قوانين التجارة الطبيعية، حيث خسر البائعون الورقيون أموالهم بعدما وجدوا أنفسهم ملزمين بتسليم المشترين طلباتهم مجانا، بل حتى دفع مبلغ 37 دولارا للمشتري عن كل برميل. بعيدا عن أسباب هذه التحولات وبعيدا عما نواجه اليوم من انخفاض بالطلب على معظم المنتجات، فإنه ومما لا شك فيه أن الفترة المقبلة، ستحمل تحديات كثيرة للمستثمرين، تبدأ أولا بالقدرة على الاستمرار خلال الوقت اللازم لإعادة الدورة الاقتصادية الى ما كانت عليه، ثم تمر بتحدي تغير مزاج المستهلكين وتبدل أولوياتهم والتي قد تصبح أكثر تركيزا على متطلبات الأمن والسلامة والاشتراطات الصحية الخاصة بحماية الفرد والمجتمع، وتستمر لتصل كذلك إلى قدرة المؤسسات نفسها على الاستمرار بتقديم السلع والخدمات في ظل تحديات السيولة وانخفاض الطلب المتوقع لاحقا. من هنا وبرأيي الشخصي، فإننا قد نواجه تغيرا كبيرا في نموذج الأعمال القائم لتصبح بعض الخدمات بحاجة إلى تبديل جذري، سواء بطريقة صناعتها أو طريقة تغليفها وتقديمها أو حتى طريقة توصيلها للمستهلكين، أيضا وبنفس الوقت فإن بعض السلع وخاصة المنتجات الكمالية أو غير الصحية منها، قد تصبح أقل استهلاكا في السنوات القادمة بمقابل ارتفاع الطلب على كثير من المنتجات الأخرى وعلى رأسها مستلزمات الوقاية والتعقيم. كذلك فإن بعض نماذج الأعمال مثل صالات العرض والبيع بالتجزئة قد تحتاج إلى مساحات أكبر، نظرا لرغبة الزبائن بمسافة كافية لتأمين ما يسمى بالتباعد الاجتماعي، والذي قد يتحول مستقبلا من أسلوب وقاية، إلى أسلوب حياة ومطلب أساسي للتعامل المباشر مع الآخرين. بالمقابل فإن خدمات الإنترنت والتواصل عن بعد قد تزدهر، وخاصة تلك التي تساعد الشركات على القيام بأعمالها وإتمام صفقاتها التجارية. وأخيرا وليس آخرا يبقى التغيير هو سنة الكون فكما تغير الطلب منذ سنوات على كثير من المنتجات مثل الآلات الكاتبة والهواتف ذات الأقراص والمصابيح العادية ليحل مكانها الطابعات والهواتف النقالة ومصابيح الـ(LED )، كذلك فإن فيروس كورونا ستنتقل عدواه قريبا إلى قطاعات الأعمال، ليرفع عدد ونوعية ضحاياه من الأفراد إلى المؤسسات والشركات، ومن هنا فإن النصيحة الأهم هي أن يبدأ رواد الأعمال بتحضير مضاداتهم الحيوية لوقاية أعمالهم من العدوى القادمة، فكما أصبح التباعد الاجتماعي هو الحل الوحيد لحماية الأشخاص، فإننا في زمن قد تصبح فيه المرونة العملية وتغيير طريقة العمل هي العقار الوحيد لحماية الشركات.