أنواع الدخل.. أمان وضمانة

ما إن يُنهي الطالب تعليمه ويصبح جاهزا لخوض تجربة العمل حتى تراه يبدأ بالتحرك السريع، فها هو يتنقّل من شركة إلى أخرى ومن مكان إلى آخر بحثا عن مصدر للدخل يستغل به قُدراتِه ومعارِفه التي اكتسبها على مرِّ سنوات سابقة، وهنا وبالرغم من العديد من المتغيرات إلا أن قيمة الدخل المُتوقّع تحصيله قد تكون وفي أغلب الأحيان هي الفيصل الحقيقي في اختيار نوع ومكان الوظيفة أو العمل الذي ينوِي القيام به إما بشكل مباشر عبر البحث عن أفضل وأكبر العروض المادية أو بشكل غير مباشر عبر البحث عن اكتساب الخبرة والمعرفة للحصول لاحقا على وظيفة أو عمل أفضل، وبالنهاية وبعد بذل الجهد والتفكير والالتزام بتوقيت وقواعد العمل، فإن الموظف يسأل عن الراتب والمستثمر يسأل عن العائد حتى الشريك فإنه ينتظر موسم الأرباح بفارغ الصبر ليحصد ثمار استثماراته ونجاح خياراته، فالدخل وبالرغم من تعدد مصادره إلا أنه يبقى دائما عامل أساسي لتحديد مستوى الحياة والقدرة على سد الاحتياجات في المجتمعات والشعوب وهو بالإضافة للفائدة والمسؤولية الاجتماعية الهدف الأساسي من فكرة العمل وتقديم الخدمات للآخرين حيث يسعى معظم العاملين لتعظيم قيمة هذا الدخل أو حتى الحفاظ عليه على أقل تقدير، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو الدخل وما المقصود به؟ وما هي أنواعه؟ وأي نوع من هذه الأنواع هو الأفضل والأكثر أمانا؟ بداية وبشكل عام فإن الدخل هو المال أو العائد الذي يحصل عليه الأفراد أو الشركات التجارية إما مقابل وظيفة أو مقابل إنتاج سلع وخدمات أو حتى من خلال الاستثمار المباشر في رأس المال، وعادةً ما يكسَب الأفراد دخلهم من خلال الأجور والرواتب، بينما تكسب الشركات دخلها من خلال تحقيق الأرباح الناتج عن إنتاج وبيع السلع والخدمات، وبالتالي فإنه يمكن تعريف الدخل بأنه العائد الذي يحصل عليه صاحب العنصر الإنتاجي مقابل المساهمة في العملية الإنتاجية، فالعامل يحصل على الأجر أو الراتب سواء كان عمله يدويا أم ذهنيا، وصاحب الأرض أو الأصول العينية يحصل على الريع أو الإيجار، أما رأس المال فيحصل صاحبه على الفائدة أو الأرباح وهي جميعها شكل من أشكال الدخل، وبالرغم من التشابه الكبير والمظهر العام المُشترك إلا أن أشكال الدخل السابقة تختلف من الناحية الاقتصادية في تصنيفاتها وأسمائها بل وحتى تأثيراتها ونتائجها ولذلك وانطلاقا من وجهة النظر الاقتصادية فإنه يُمكننا تقسيم الدخل إلى عدة أنواع، أهمها ما يلي: الدخل المُكتسَب أو الدخل النشِط وهو أي دخل يتم تحقيقه من خلال العمل في وظيفة أو أي نشاط آخر على أن يتم احتساب هذا الدخل مقابل تقدير القيمة على أساس الوقت أو الجهد المبذول، وهو أكثر أنواع الدخول شيوعاً بين الناس، نظرا لأنه يقوم على فكرة المجهود وبالتالي فإنه لا يحتاج إلى رأس مال ولا يحتوي على مخاطر استثمارية، ومن أهم سلبيات هذا النوع هو أنه مرتبط بالقدرة على العمل فالعامل قد يتوقف عن تحقيق المال بمجرد توقفه عن العمل، أما أهم ميزاته فهي أنه لا يحتاج إلى رأس مال كبير للبدء بالعمل وهو ما يفسر اعتماد الكثيرين على هذا النوع من الدخل في بداية حياتهم العملية، فهو طريقة مثالية لبدء العمل واكتساب الخبرة وادّخار النقود لاستثمارها لاحقا ومن أهم أمثلة هذا النوع جميع الوظائف مثل المُحاسب أو المُحامي أو المُعلِم وغيرها الكثير. دخل الاستثمار أو دخل المحفظة وهو الدخل المُتحقِّق عن طريق التجارة والاستثمار في الأصول على أن يتم بيعها بسعر أعلى من سعر شرائها وذلك بهدف تحقيق أرباح رأسمالية، وتشمل هذه الطريقة شراء وبيع الأصول الورقية مثل الأسهم والسندات وصناديق الاستثمار والعملات، بالإضافة إلى بيع وشراء الأصول العينية الأخرى مثل العقارات والقطع الأثرية والسيارات وغيرها، ومن أهم عيوب هذا النوع هو أنه يتطلّب قدراً جيداً من المعرفة والخبرة بالإضافة إلى رأس مال مُرتفع ليكون كافيا لبدء العملية الاستثمارية، أما أهم ميزاته فإنها غالبا ما تكون في نسب الربح المرتفعة التي يُمكن تحقيقها بالإضافة إلى أنه لا يتطلب الكثير من الجهد المبذول مقارنة مع الدخل النشِط. الدخل السلبي وهو الدخل الناتج عن استغلال واستخدام الأصول التي تم شراؤها سابقا دون حاجة للعمل أو بذل مجهود كبير مثل تأجير منزل أو مثل بيع ملكية فكرية مثل الكتب وبراءات الاختراع، وهو غالبا ما يكون دخلا متكررا لسنوات قادمة ويكون عن عمل تم لمرة واحدة، أي أن الفرد يقدم مالا أو جهدا أو وقتا لمرة واحدة ليحصل بعدها على تدفقات نقدية متكررة دون الحاجة لبذل جهد مستمر، وهو من أهم أنواع الدخل فهو يساعد على ضمان استمرار النمو في قيمة الأموال الصافية وهو أيضا يسمح لأصحابه بالحصول على مصادر دخل جديدة نظرا لمدخوله المُجزِي وكذلك لعدم حاجته للوقت أو الجهد، هذا ويتطلب الدخل السلبي عادة استثمارات كبيرة مُقدما وكذلك وقتا طويلا للاستقرار والوصول لحالة النمو المتوازن والاستدامة في الأرباح. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أهمية جميع أنواع الدخول وخاصة الدخل السلبي وهو الدخل الأساسي لتحقيق حُريّة واستقلالية مالية إلا أن تنويع مصادر الدخل والاعتماد على أكثر من مصدر وطريقة لتحقيق الأرباح هو الحل الأمثل والأكثر أمانا للمحافظة على أرباح مُستدامة، فالاعتماد على أي من المصادر السابقة وحيدا قد يكون وبالرغم من نجاحه حالة استثمارية مُرتفعة الخطورة، على أن يكون خيار الاستثمار في جميع الحالات مبني على علم ودراسة وخبرة حقيقية يتم العمل والاسترشاد بها دائما، وهنا أتذكر مقولة رجل الأعمال "هنري فورد" حين قال "إذا كان المال هو الأمل الخاص بك في الاستقلال فإنك لن تمتلكه أبدًا، لأن الأمن الحقيقي الذي يمكن أن يمتلِكه المرء هو مقدار ما لديه من معرفة وخبرة وقدرة".