أين نحن من هذه الابتكارات؟

جان كوم كرواتي الأصل هاجر ووالدته إلى الولايات المتحدة الأمريكية وهو في سن السادسة عشرة، هاربا من الوضع السياسي والمعيشي الصعب في بلاده. عاش مع فقراء كاليفورنيا في منزل يفتقر إلى أبسط الخدمات، مثل التكييف والماء الساخن والكهرباء والهاتف، عانى الحرمان والفقر المدقع بكل ما تعنيه الكلمة من معنى. كان يقف في الطابور الطويل في انتظار دوره لاستلام كوبونات الإعانة الحكومية، عملت والدته مربية أطفال، بينما عمل هو كنَّاسا ينظف أرضية محل للبقالة مقابل مبالغ زهيدة لتغطية نفقاتهم. لم يأخذه الفقر إلى الكسل والاتكالية والانحراف ولم يكن مصيره الاستسلام للواقع الذي هو فيه، لم تحوله كوبونات الإعانة إلى إنسان فاشل غير إنتاجي يكره العمل وغير مهتم بتطوير نفسه، بل على العكس تماماً زرع في نفسه التحدي لمواجهة الفقر الذي أذله وأبعده عن وطنه. بدأ يحلم بحياة أفضل وبمهنة أو وظيفة تخرجه من حالة الفقر، فوضع لنفسه رؤية وأهدافا وبدأ في التفكير في كيفية تحقيقها. ذهب أولا يبحث عن مواهبه وقدراته فاهتم بقراءة كتب تقنية المعلومات، فتعلم بنفسه علم أنظمة الحاسوب وبرامجه، حيث كان يستعير الكتب المستعملة ليقرأها ثم يعيدها لعدم قدرته على شرائها، التحق بالجامعة وبسبب تكاليف الدراسة الباهظة وعدم قدرته على تحمُّلها اضطر إلى أن يعمل بدوام جزئي في إحدى الشركات. استطاع أن ينمي معرفته وقدراته في برامج الاتصالات المجانية، وبفضل ذلك بدأ التفكير في تأسيس برنامج يمنح الناس تواصلاً مجانياً. وبالفعل وبالتعاون مع صديقه براين تمكن من ابتكار برنامج سماه لاحقا بـ«واتساب»، حيث نجح في تطبيقه على أجهزة الاتصالات الشخصية وتمكن من تسويقه والحصول على مبالغ شهرية تقدر بآلاف الدولارات، بدأ تطوير التطبيق بشكل أوسع وسرعان ما اشتهر البرنامج في جميع بقاع الكرة الأرضيّة. فبفضل شعبية هذا البرنامج حقق كوم صعودا سريعا، فقد استطاع البرنامج أن يخدم أكثر من 600 مليون مستخدم حول العالم في الشهر، ومع بداية هذا العام وصل عدد مستخدمي التطبيق إلى حوالي نصف مليار مستخدم. وفي عام 2014 قرر كوم وصديقه بيع ملكية البرنامج إلى شركة فيسبوك مقابل 19 بليون دولار وهو ما يعادل 150 ‎%‎ من ميزانية الإمارات العربية المتحدة، ما جعل كوم أحد أثرياء الولايات المتحدة الأمريكية. إن مثل هذه الابتكارات التي غيَّرَت العالم ولعبت دورا مهما في تطور وتقدم البشرية، تجعلني أدرك تماماً أن ضعفنا الاقتصادي والمشاكل الاجتماعية التي نواجهها مثل البطالة والفقر وانخفاض الإنتاجية هي نتيجة طبيعية للنظام التعليمي الذي أخفق في اللحاق بالمستوى الذي وصلت إليه البلدان المتقدمة في التعليم والتنمية البشرية. لقد أدى هذا الإخفاق إلى خلق بيئة اقتصادية استثمارية غير محفزة على العمل والابتكار.