بعد أكثر من عقدين من الزمان منذ دخول اتفاقية التجارة الحرة لأمريكا الشمالية (نافتا) حيز التنفيذ العملي في عام 1994م، يعكف الآن مفاوضون من الدول الثلاث على الوصول إلى تعديل مقبول ولكنه معقد بشأنها في اجتماعات عقدت بواشنطن مؤخرا للبدء بمراجعة اتفاق التجارة الحرة لأمريكا الشمالية. ولا ينفي إعلان الدول الثلاث أنها ملتزمة بإجراء مفاوضات سريعة بغية التوصل إلى «نتيجة طموحة» وجود صعوبات كبيرة من شأنها أن تتسبب في تعثر الوصول لهذه النتائج المرجوة، أو في تأخير هذا الوصول وقتا أكبر بكثير من المأمول، فحجم ونطاق المقترحات خلال هذه الجولة الأولى من المناقشات يعكسان تعقيدات هائلة تقف عائقا صلدا أمام هذا الالتزام. استعرضت الجولة بالفعل «عشرات المواضيع» التي ستتطلب من المفاوضين أن يواصلوا مشاوراتهم الوطنية بشأنها، وسيعملون على التوصل إلى نص تفاوضي بحلول نهاية أغسطس، الأمر الذي يبدو غاية في الصعوبة. ومن المفترض أن يجتمعوا مجددا في المكسيك في جولة ثانية من المناقشات تستمر من الأول إلى الخامس من سبتمبر تليها جولة ثالثة في نهاية سبتمبر بكندا. الرئيس الأمريكي ترامب الذي تراجع عن وعده بالانسحاب من الاتفاقية وانخرط بالفعل في هذه المفاوضات الماراثونية المعقدة مطالب بممارسة أقسى الضغوط للتوصل لنسخة جديدة من نافتا، تحمل لواشنطن الامتيازات التي تبرر للناخب الأمريكي تراجع ترامب عن وعوده له، والتي تضمن مع ذلك استدامة إستراتيجية العم سام في الاستقواء بمحيطه الجغرافي ضد سيف التعملق الأوروبي المشهر بوجهه، فهل سينجح؟ وهل ستفلح مطالبته للمكسيك بتمويل الجدار العازل المتخيل في ترويض الجارة الجنوبية المغلوبة على أمرها أكثر وأكثر وحملها على الشدو باللحن الذي تطلبه واشنطن في هذه المفاوضات، أم ستدخل أمريكا الشمالية في أزمة دبلوماسية قاسية بانهيار التفاوض وسيقف ترامب وجها لوجه أمام خيبة تجعله عاجزا عن تنفيذ وعده الانتخابي وعاجزا بالوقت نفسه عن تبرير هذا العجز؟ ولكي تكون توقعاتنا معقولة في الحالين، علينا أن نعود بالذاكرة إلى أواخر أبريل الماضي حين زعم ترامب أن مرسوم انسحاب بلاده من نافتا جاهز وينتظر فقط أن يمهره هو بتوقيعه، حينها هرع كل من الرئيس الكندي والرئيس المكسيكي للاتصال به مرارا وتكرارا حتى وافق على إعادة التفاوض. في الحقيقة فإن نشاطا محموما قاده سياسيون ودبلوماسيون أمريكيون ومجموعات ضغط اقتصادي من وراء الكواليس هو الذي قاد لترجيح الكفة في الاتجاه المعاكس واقتناع ترامب بالتفاوض بدلا عن الانسحاب. إضافة طبعا لرغبة القيادة السياسية في البلدين الشريكين. وكانت القيادة الكندية مهمومة على وجه الخصوص بالدفاع عن صادراتها من الأخشاب التي قرر ترامب فرض ضرائب عليها. وعموما فإن ثلاثة أرباع الصادرات الكندية تذهب للولايات المتحدة وستبذل هي الأخرى وسعها لإرضاء ترامب. ولكن هل ستكون هناك نقطة فعلا يلتقي عندها الشركاء الثلاثة؟