أمة من العباقرة 3/3

في عام 1960 أعلن نهرو في خطاب شهير، أن (العلم وحده هو القادر على حل مشاكل الجوع والفقر، ونقص الصرف الصحي والأمية، ومشاكل الخرافات والعادات والتقاليد الخاطئة... إن المستقبل للعلم ولمن يتخذون العلم صاحبا)، وتحقيقا لهذه الغاية فقد نص الدستور الهندي في إحدى مواده على أنه (يجب على كل مواطن هندي أن يشارك في تنمية الفكر العلمي)، وحرص نهرو على (إبقاء العلماء أمثال سرابهاي مقربين من الحكومة واستغلهم في بناء أول مختبر لأبحاث الفيزياء في الدولة، ومحطات الطاقة النووية وسدود الطاقة الكهرومائية ومصانع الحديد والصلب، بالإضافة إلى أنه وضع حجر الأساس لعشرات الجامعات الجديدة وكليات الهندسة لتدريب جحافل الخريجين الذين سيتحولون إلى مواطنين لطالما تمناهم مواطنين يستخدمون العقل والمنطق ويعشقون العلم).وهنا يتمثل دور القيادات السياسية والزعامات الوطنية في تغيير مستقبل وواقع شعوبها واعتبارها المحرك الأساسي للنهضة العلمية التي تشهدها الهند. في مقدمة كتابها أفصحت الكاتبة عن غاية مشروعها المتمثل في اكتشاف (ما إذا كان بمقدور هذه الأمة أن تصبح قوة علمية عظمى تتنافس مع بقية دول العالم. أم أن الأمر مجرد ضجيج بلا طحين)؟  من مركز فيكرام سرابهاي لأبحاث الفضاء وهو (أضخم صرح علمي شيدته الحكومة لإجراء أبحاث عن طبقة الغلاف الجوي وما فوقها) إلى مكان ليس ببعيد عنه تجد الكاتبة (الكيميائيين الهنود ينتجون عقاقير تنقذ حياة البشر وتباع في أوروبا) فيما زملاء لهم في موقع آخر (يصلحون برمجيات الحاسوب للأمريكيين) والأكثر إثارة للدهشة أن الأدمغة الهندية التي هاجرت إلى الغرب منذ السبعينيات مرورا بالعقود التي تلتها تعود مجددا مصحوبة بالأجيال الشابة لتحمل مسؤولية خدمة بلادها و(الشركات متعددة الجنسيات التي عملوا فيها بالولايات المتحدة قد تبعتهم إلى هنا).أمام هذه المشاهد للمحفزات أو الجرعات الأولية التي تكتشفها الكاتبة تباعا وتقدمها لقرائها لم تكن الحصافة تنقصها للتعليق على ذلك النشاط العلمي المحموم والإنتاج البحثي المتنوع بعبارات تمزج بين عدد من المتناقضات عن الواقع المعاش، التحديات والتطلعات، الممارسات الموروثة والروح الهندية الجديدة التي لا تنقصها الإرادة لاستعادة الأمجاد العلمية (إن هذا المكان المعزول، الذي يرزح تحت وطأة الفقر، ويعتمد على زراعة الشاي والقطن، قد بدأ يستعيد تراثه العلمي الذي ضاع منه منذ آلاف السنين). في كل زيارة ولقاء وسؤال موجه إلى عالم ومشاركة في فعالية وحضور لمحفل علمي كانت الكاتبة تكتشف المفاجآت وتقدم الإجابات عن (أمة العباقرة) ففي مركز (بهابها) للبحوث الذرية يعمل (5آلاف عالم ومهندس)، حيث (بقايا وفتات الطعام تتحول إلى غاز للطبخ باستخدام ميكروبات تتغذى على المادة)، وحققت ولاية كيرلا نسبة (مائة في المائة في محو الأمية وانتشار التعليم)، وتضمنت مجلة فورتشن قائمة بأسماء (500 شركة أمريكية أنشأت مراكز لها في الهند).هذه النماذج والتجارب العلمية الناجحة التي تشهدها شعوب العالم والعوامل والدوافع والمحفزات العديدة تظل فرصة سانحة لنا في دول الخليج قيادات ومجتمعات لاستثمارها والاستفادة منها في قيادة نهضة علمية واقتصادية خليجية شاملة، فلا تنقصنا الموارد ولا الكفاءات متى ما توفرت الإرادة.