ملامح اقتصادية من وجهات متعددة 5/5

مساء الإثنين الموافق 28 نوفمبر، وأنا أتجول سائحا في الأسواق والشوارع الرئيسية والميادين، في العاصمة الكورية الجنوبية "سيول"، كنت ألتقط المشاهد والصور للحركة الصاخبة والعمل الجاد لتهيئة الساحات والأماكن العامة وتعليق شاشات التلفزة الضخمة استعدادا وانتظارا لمباراة كوريا الجنوبية مع السنغال، وعيون الكوريين معلقة على "استاد المدينة التعليمية"، في الدوحة، لحظتها كانت مشاعري تكاد تطير فرحا وبهجة لهذا النجاح العظيم والتفوق الباهر الذي حققته قطر، والشهرة التي بلغتها، وقدرتها على بناء جسور التواصل مع الشعوب الأخرى، ولهذا الاستثمار المتفرد الذي أسست عليه طموحات وخططا وبرامج واستراتيجيات وجهودا كبيرة للغاية، وهذه الفعالية الاستثنائية العالمية التي تطلعت دول كبيرة للفوز باستضافتها، وهذا التميز في التنظيم وفي تحقيقه للعائد السياسي والحضاري والاقتصادي والثقافي.. الذي لا تعادله الأثمان، وهو مكسب للعرب والمسلمين جميعا وليس لقطر وحدها، نعم لقد خططت الدوحة وسعت واجتهدت وبنت بإرادة صلبة وغير مسبوقة في عالمنا العربي، وكان النجاح حليفا لها، فيحق لنا أن نشارك الأخوة القطريين هذا الإنجاز والتميز والاحتفاء. مؤشرات الازدهار الاقتصادي في كوريا الجنوبية والرخاء المعيشي وجودة البنى التحتية وتكاملها وشموليتها، والتقدم التقني والعلمي الملحوظ في كل ملمح من ملامح الحياة تعلن عنها المشاهدات والصور التي تعرض لنا تباعا، فالبلاد تخلو تماما من ظاهرة الشحاتين والمحتاجين والفقراء، واستغلال السائح لا مكان له في السوق الكوري، ولم ألحظ وجودا للأحياء المدقعة في الفقر والبنايات القديمة والآيلة للسقوط، والطرق ووسائل النقل وشبكات الكهرباء والاتصالات والمؤسسات الصحية تعلن عن الجودة والقوة، ووظفت التقنيات ومنتجات الذكاء الاصطناعي في تسهيل الإجراءات والتيسير على المواطن وتسريع وتيرة الإنجاز، وبالمختصر فكوريا الجنوبية نموذج حقيقي للدول المزدهرة والمتقدمة جدا، التي تمكنت من تحقيق نهضة اقتصادية سريعة النمو قوامها التصنيع والتصدير، بالرغم مما تعانيه من ضعف الموارد والاكتظاظ السكاني، ويجدر بالعديد من الدول العربية المتعثرة اقتصاديا والمتأزمة سياسيا الاستفادة من تجربة هذه الدولة الاستثنائية في محيطها، بل وعلى مستوى العالم، هذا التفوق الكبير، انعكس على ثقافة الشعب في تعليمه العالي والجيد، وفي وعيه العميق وقدراته على تحمل مسؤولياته الوطنية وتقديم بلده في أبهى وأنقى الصور، في تهذيبه وخلقه وتعامله الرفيع مع الآخر، واهتمامه بالنظافة وقدراته الفذة في التعامل مع المشكلات والتغلب عليها.. يتصدر اقتصاد كوريا الجنوبية المرتبة الرابعة ضمن اقتصادات البلدان الآسيوية، وهو اقتصاد يعتمد على التنويع والاستثمار في العديد من القطاعات والأنشطة الحيوية والواعدة، مثل التصنيع والسياحة والتصدير والدراما، وخاصة تلك التي يتوقع أن تسهم بقوة وفاعلية في الاقتصاد العالمي في المستقبل كقطاع "الذكاء الاصطناعي" على سبيل المثال، فيما تعتبر الأجور في كوريا الجنوبية "الأعلى في العالم، بسبب قوة هذه الدولة اقتصاديا"، وبالرغم من ارتفاع نسبة البطالة، بسبب الانكماش الاقتصادي العالمي، إلا أنها ما تزال في مستوياتها الآمنة وقد تشهد تحسنا ملحوظا على ضوء التوقعات بتحسن نمو الاقتصاد الكوري "بوتيرة أسرع" عن المتوقع في الربع الثاني من هذا العام.