يتمثل المرتكز الثاني الذي استند عليه (جوزيف إي ستيغلتز) للتدليل على أن (العملة الموحدة تهدد مستقبل أوروبا) في: فرض المؤسسات المركزية التي نشأت مع تطبيق (العملة الموحدة) - البنك المركزي الأوروبي مثالا - سياساتها وأنظمتها على الدول المأزومة ماليا دون مراعاة لخصائصها وتركيبة اقتصادها، وتشخيص دقيق لأزمتها المالية وواقعها الداخلي وما تحتاجه من نوع المعالجات، ما أدى إلى تعميق مشكلاتها الاقتصادية والاجتماعية. (ولو كان البنك المركزي الأوروبي قد نفذ تدابير من شأنها خفض سعر صرف اليورو، لكان قد حفز الاقتصاد، ليوازن بذلك جزئيا آثار التقشف)، ولكنه بدلا عن ذلك أقر سياسات أدت (دورا في تعميق عدم المساواة المتزايد في أوروبا). وتحول البنك المركزي الأوروبي كما وصفه الكاتب إلى (مطرقة أوروبا الثقيلة، والأداة التي أجبرت بواسطتها اليونان على الاذعان لما تريده الترويكا)، لتحقيق مصالح الاقتصادات القوية، فيؤكد بأن دول (اليورو)، لم تترك لها الفرصة ولا الخيارات لإصلاح هياكلها الاقتصادية بمرونة وحرية تتوافق مع خصائص ومتطلبات العهد الجديد. كما أن الكثير من المؤشرات والأرقام التي تنشر عن نجاح السياسات والبرامج التي أقرتها (المؤسسات المركزية) وتعافي اقتصادات الدول المأزومة، خادعة وغير دقيقة، فتحسن نسبة البطالة - على سبيل المثال - في بعض بلدان اليورو لا يعود إلى توفر الوظائف ونمو اقتصادات بلدانهم وإنما بسبب مغادرة وهجرة شبابها إلى مناطق ودول أخرى قادرة على توفير فرص عمل. يعرض الكاتب لمقارنات استخلصها من قراءته ومتابعاته اليومية لأداء اقتصادات الدول الأوروبية المنضوية في مظلة (اليورو)، والتي خارج مظلته، وقبل الانضمام وبعده، واستخلص بأن (أداء منطقة اليورو في مختلف الجوانب أسوأ مما كان عليه في أوروبا غير المنضوية في منطقة اليورو). فبلد أوروبي مثل بولندا على سبيل المثال حقق اقتصادها نجاحا في نسبة النمو لم تصل إليه أي بلد من بلدان اليورو، التي لم تسجل (أي طفرة في النمو بشكل عام بعد تكوين منطقة اليورو)، كما أن (الدخول الآن تعد أقل بكثير من اتجاه الناتج المحلي الإجمالي الذي كان قائما قبل اليورو). لقد سهلت (العملة الموحدة) حياة المسافر و(استبدلت عملة واحدة بـ 19 عملة مختلفة في 19 بلدا مختلف)، ولكنها من جانب آخر وفي تأثير عميق على اقتصادات دول (اليورو)، قيدت حرية التصرف الفردي المبني على مصلحة كل اقتصاد، فكونها - أي دول (اليورو) - تستخدم (العملة نفسها فليس هناك سعر صرف، ولا سبيل إلى تعديل أسعار الصرف بحيث يجعلون سلعهم أرخص وأكثر جاذبية. وحيث إن التعديلات في أسعار الفائدة وأسعار الصرف من أهم الطرق التي تلجأ إليها البلدان للتكيف ومواءمة أوضاعها لأجل الحفاظ على التشغيل الكامل فإن إنشاء اليورو يحرم هذه البلدان من أداتين من بين أكثر الأدوات أهمية في ضمان تحقيق ذلك)، فكل منها وبعد انضمامها إلى مظلة (العملة الموحدة)، تنازلت عن تحكمها (في أسعار فائدتها). وتحولت سلطة القرار بيد البنك المركزي الأوروبي والمؤسسات الأوروبية المالية الأخرى في التحكم في اقتصادات البلدان الأوروبية الضعيفة والمأزومة، فأصرت على تطبيق معدلات ضريبية مرتفعة رغم آثارها الخطيرة، ففي اليونان ارتفعت معدلات الضريبة لتصل إلى (40%)، مما راكم من (حالات الاستياء والسخط، وتآكل الثقة والامتثال الطوعي. ولم ينظر إلى الضرائب على أنها نتيجة لتوافق ديموقراطي بل باعتبارها مفروضة من قبل الأجانب). وإن كان لتلك البرامج والسياسات من نجاح فتمثل فقط في إعادة (سداد قروض بنوك ألمانيا وفرنسا)، في تأكيد على أن (اليورو) يمثل فقط مصالح الاقتصادات القوية. (يتبع).