التباين في تنبؤات أسعار النفط في السوق العالمي

تتباين التنبؤات والتحليلات التي تستشرف حركة أسعار النفط في الأسواق العالمية، وذلك استجابة للسؤال الرئيسي والأهم في هذه الأيام بشأن اتجاهها وهل هو المزيد من الهبوط والتراجع والاستقرار، أم أن أوان الحركة التصحيحية قد حان نحو الصعود التدريجي فتشهد اقتصاديات الدول المنتجة للنفط وفي مقدمتها دول الخليج أياما سمانا بعد أشهر عجاف كادت أن تعصف بسنوات الازدهار والرخاء؟ (تتبابين التنبؤات) بين مؤسسة متخصصة وأخرى، ومن خبير اقتصادي وقرين له. ما يوجه ويشكل مجرى تلك التنبؤات هو اختلاف القراءات والمعطيات والمؤشرات التي يتم الاستناد عليها في إعداد الرأي وصياغته ونشره والتي تختلف وتتغير كذلك بشكل يومي دون أن تقف عند حال من الأحوال. فهي أقرب شبها بتنبؤات الطقس التي تنجح أحيانا وتخفق في أحايين أخرى نظرا لاعتمادها على معطيات ذات طبيعة متحركة وأخبار ومستجدات متغيرة... ففي الوقت الذي تعد فيه بعض الوكالات والمؤسسات المتخصصة في مجال الطاقة والخبراء الاقتصاديون جملة من التقارير المتفائلة التي تتحدث عن صعود تدريجي لأسعار النفط في الأسواق العالمية تستمر حتى منتصف العام المقبل لتصل إلى ما فوق الـ 120 دولارا استنادا إلى عدد من المؤشرات والقراءات التي تتوقع انتعاشا اقتصاديا وارتفاعا في نسبة النمو الاقتصادي العالمي وحاجة صناعاته وقطاعاته الحيوية من ثم إلى الطاقة النفطية، وعدم قدرة النفط الصخري من جانب آخر على منافسة قرينه التقليدي لتكلفة إنتاجه العالية خاصة مع انخفاض أسعار الطاقة في الأسواق العالمية وضعف مخزوناته، وتراجع مستويات مخزونات النفط الأمريكي، وخسائر شركات الاستثمار في القطاعات النفطية بسبب تراجع الأسعار وهو ما سيجبر الدول المستهلكة وفقا لهذا التحليل إلى رفع الأسعار لإعادة التوازن بين الطلب والعرض وضمان عودة المستثمرين للعمل في هذا الحقل الذي يمثل العمود الفقري للاقتصاد العالمي... بينما ترى مؤسسات وخبراء آخرون أن تراجع أسعار النفط واستقراره بمستويات متدنية سيستمر إلى سنوات قادمة ولهم قراءاتهم ومبرراتهم المستندة إلى دخول منتجين جدد إلى السوق، واعتماد العديد من الصناعات على طاقات بديلة عن النفط، واستمرار تراجع النمو العالمي وفقا لجملة من المؤشرات والقراءات، كما أن المعروض من النفط والذي يزيد عن الطلب يصل إلى ما بين (2 و3 ملايين برميل معروضة في الأسواق، ويجرى تخزينها في مكامن جوفيه، أو خزانات أو ناقلات تجوب البحار تحت الطلب)، كما تشير بعض التقارير إلى أن لدى الولايات المتحدة الأمريكية وعدد من الدول الكبرى المستهلكة مخزونا من النفط (يزيد على تريليون برميل)، إلى جانب ذلك فإن الخلافات السياسية والصراعات الإقليمية بين الدول المنتجة للنفط تقف عائقا أمام أية مبادرات أو اتفاقيات لخفض الانتاج.هذا التباين في التحليلات والتنبؤات القائمة على قراءات تناقض بعضها أحيانا اثار البلبلة والتذبذب في الأسواق من جهة ومعه استمر قلق المنتجين وضعف ثقة المخططين في اقتصادهم المعتمد على النفط من جهة أخرى، ما أدى إلى عدم قدرة الدول المنتجة والمعتمد اقتصادها على النفط على اتخاذ قرارات وخطوات جريئة لتجاوز آثار انهيار الأسعار وتحقيق نتائج ترفع من قيمة القطاعات الأخرى لتقليص هوة الخسائر.. الأهم من كل ذلك بالنسبة لنا أن تتمكن دول الخليج من استيعاب الدرس والعمل على خلق اقتصاد خليجي قوي يعتمد على التنوع والقدرة على التعامل مع الأزمات الاقتصادية مهما كانت حدتها وعدم الركون من جديد إلى خدعة ارتفاع أسعار النفط أو الأمل بعودة الأسعار إلى ما كانت عليه.