اكتشفنا فجأة بأن الحياة يمكن لها أن تسير بيسر وسهولة، والأعمال تنجز بسرعة الضوء دون اضطرار الموظف المكلف بها أن يذهب إلى مكتبه، واجتماعات المسؤولين الأعضاء في المجالس واللجان والمنظمات الدولية والإقليمية والمحلية تنعقد ويتم الاتفاق على بنود الأعمال واتخاذ القرارات، وهم عن بعد، وتوقع الاتفاقيات ويتحاور رجال الأعمال وتتم الصفقات وكل طرف في بلده، فلا تحتاج الوفود والشخصيات السياسية والاقتصادية ورؤساء وأعضاء مجالس الإدارات إلى السفر لعدة ساعات، رحلات مكوكية وطائرات خاصة، ووقود وبدلات سفر ونثريات وأجنحة في فنادق الخمس نجوم وقاعات فخمة... تستنزف الميزانيات العامة، وهذه واحدة من منافع كورونا التي اكتشفناها وكنا نعرفها بدون شك، ولكن الشغف بالسفر والمال والاطلاع على بلدان جديدة واستقبالات فخمة وتبادل الهدايا والوجاهة والزخم الإعلامي جعلتنا نتجاهل فوائد وأسرار التقنية ودورها في سرعة الإنجاز وفي ترشيد الإنفاق وفي استثمار التطور العالمي وتطبيقه على حياتنا وأعمالنا، بدأنا في التخلص من المعاملات الورقية وتجشم مراجعة الوزارات والمؤسسات الحكومية والخاصة، وفعلنا شبكة المعلومات والتطبيقات التقنية في إنجاز المعاملات ودفع الفواتير وطلب السلع التي نحتاجها إلى منازلنا، وجربنا المؤتمرات واللقاءات الصحفية الافتراضية. طالت ساعات البقاء في المنزل مصحوبة بلحظات تأمل وتدبر، وأسئلة عصف ذهني تنتجها أحداث العصر المتسارعة المتجددة وأخباره المقلقة المتضاربة، وجهود تحفيزية - كانت ضرورية - لتنشيط العقل على التفكير بشيء من العمق، واستثمار الوقت المهدر، والجهد المعطل، وتعظيم النتائج في تحقيق جملة من المصالح التي تنفع وتفيد، والاعتماد على النفس، والاتكال على القدرات والمهارات التي يمتلكها الإنسان وتطويرها وتنميتها، فالفرصة مواتية وعلينا اغتنامها، التفكير في تطوير المشروع وتعزيز مبيعاته وأرباحه وإنقاذه من الإفلاس بعد أن تفتح الأسواق وتستعيد نشاطها المعهود، استثمار التطبيقات التقنية ووسائل التواصل الاجتماعي في التسويق والترويج والوصول إلى المستهلك وهو في منزله، البحث في الفرص التي يعرضها كورونا، والدروس والخبرات المجانية التي يوفرها وتوظيفها في أنشطة جديدة وأعمال مبتكرة، تعزيز الوقايات والحمايات والاحتياطات مستقبلا للمشاريع والأعمال من هكذا هزات وجوائح لتكون أكثر صلابة وقدرة على التحمل، تطوير قدراتنا ومهاراتنا في المزيد من التدريب والتعلم والقراءات والبحث واستكشاف الجديد، المساهمة ببعض الصيانات وإصلاح الأعطال داخل المنزل والاستغناء عن العمالة الأجنبية والمزيد من الإنفاق، مناقشة أفكار جديدة مع أفراد الأسرة. في عصر الكورونا نشطت التجارة الإلكترونية والمحلات التموينية والسلع الغذائية وصناعات الأدوية.. وبارت الأنشطة السياحية وقطاعات النقل والفندقة والبضائع والصناعات غير الغذائية، وانهارت الأسهم والسندات فاستثمر الأذكياء وأصحاب المدخرات النقدية والأثرياء الفرصة لشرائها بأبخس الأثمان، وفرط فيها من تملكهم الخوف والهلع والرعب فخسروا ضعف سعرها الحقيقي. في أيام الكورونا التي ستظل ذكرى تتناقلها الأجيال دروس وتجارب ومواقف وصور ومشاهد وفرص كثيرة ودلالات ومعانٍ عميقة وثرية علينا أن نستثمرها في تحقيق تطلعاتنا وتقييم مشاريعنا وتحديد أهدافنا وتعزيز مواردنا وتنمية مواهبنا ومراجعة نمط استهلاكنا ومصاريفنا اليومية والحرص على زيادة مدخراتنا ووضع خطة متكاملة للمستقبل تأخذ في الاعتبار كل ذلك.