الغاز الروسي

عادت روسيا بقوة إلى سوق الغاز الأوروبي بعد الاتفاق الأخير الذي أبرمته مع بروكسل الأسبوع الماضي، وهو الاتفاق الذي توج سبع سنوات من الجدل القانوني والتجاري وكان يمكن أن يكلف شركة الغاز الروسية غازبروم حوالي 10% من إجمالي حجم عملياتها العالمية، وذلك بسبب ما تضمن من اتهامات بالاحتكار ورفع للأسعار. أوروبا فضلت تقييد روسيا بالالتزام بقواعد وإجراءات التجارة الحرة وذلك بدلا من معاقبة غازبروم وتغريمها بسبب الأسعار المرتفعة التي فرضتها على بعض زبائنها مثل بولندا وليتوانيا المتضررتين ورفعتا الشكوى في المقام الأول. غازبروم قدمت تنازلات وعدلت الطريقة التي تعمل بها في وسط وشرق أوروبا والسماح باستخدام غازها من خلال مرافق قائمة لصالح طرف ثالث مما يجعل إمداداتها متاحة أمام ملايين المستهلكين. الاتفاق سيعزز من وضعية غازبروم ومن خلفها روسيا كمورد رئيسي للغاز إلى السوق الأوروبي ويضيف لبنة أخرى إلى ما حققته موسكو من ناحية تمددها في السوق الأوروبية. ففي العام الماضي تمكنت موسكو من زيادة حجم صادراتها إلى السوق الأوروبية بما يزيد على 8% إلى 193.9 مليار متر مكعب. ويعني هذا عمليا تجاوز الدعوة التي أطلقها الاتحاد الأوروبي إلى أعضائه قبل أربع سنوات بتقليل وارداتها من الغاز الروسي إثر تدخل موسكو في القرم. أهمية هذا التطور أن موسكو ستصبح اللاعب الأقوى فيما يتعلق بسوق الغاز في أوروبا الذي تصعب منافسته، والإشارة إلى القادم الجديد وهو الغاز الأمريكي، الذي لجأت إليه ليتوانيا. الولايات المتحدة تظل مهمومة بالعلاقات الأوروبية الروسية وتعمل جاهدة باستمرار على إضعافها، وبدأت تلك الجهود في ذروة الحرب الباردة وعلى أيام الرئيس الأمريكي رونالد ريغان في ثمانينيات القرن الماضي وصحبتها تهديدات أحيانا بعقوبات وجهود حثيثة لإقناع الحلفاء الأوروبيين بالنظر في خيارات أخرى، بل والتدخل في مسارات مختلفة لخطوط الأنابيب وذلك تقليلا للاعتماد على موسكو. ورغم هذه الجهود طوال هذه السنين إلا أن إمدادات الغاز الروسية ظلت تمثل نسبة الثلث مما تحصل عليه دول الاتحاد الأوروبي لمقابلة احتياجاتها. عاملا الجغرافيا وقدرة روسيا على تقديم ما تحتاج إليه أوروبا من غاز يمثل الحقيقة الأساسية التي لم تستطع الجهود السياسية الأمريكية التغلب عليها، مع ملاحظة أن تلك الجهود تمتد إلى فترة الحرب الباردة والتوافق بين الجانبين الأمريكي والأوروبي في رؤيتهما وما يجب اتخاذه في مواجهة موسكو. الوضع يبدو مختلفا قليلا هذه المرة. فالولايات المتحدة أصبحت أحد مصدري الغاز، الأمر الذي يعطيها الفرصة لسد جزء من الفجوة الناجمة. لكن إلى جانب هذا هناك العلاقة المتوترة بين جانبي الأطلسي بعد تسلم إدارة ترامب ورفعها لشعار أمريكا أولا وبدون أن تضع في الاعتبار مصالح حلفائها الأخرين أمثال أوروبا مما يجعل الأخيرة تبحث عن مصالحها هي كذلك.