المرونة السعرية.. فن رد الفعل

تُعتبر ظاهرة التغير في أسعار كثير من المنتجات هي السمة الأبرز لعصرنا الحالي، والتي زاد من حدتها في الفترة الأخيرة انتشار فكرة العولمة والانفتاح التجاري، وسهولة استيراد وتصدير المنتجات من دولة إلى أخرى، حتى باتت معظم أسواقنا المحلية تمتلئ بمنتجات عالمية، تكاد تأتي من كل دول العالم، وهو الأمر الذي جعل التغيرات المتعددة في أسعار عُملات أي من الدول المُصنِّعة تؤثر بشكل مباشر في أسعار هذه المنتجات في أسواقنا وفي الأسواق العالمية. ونظراً لتعدُد المنتجات المُنافسة والخيارات البديلة أمام المستهلكين، فقد باتت قيمة السعر وفي كثير من الأحيان هي العامل الحاسم والمهم لأخذ معظم قراراتهم الشرائية، خاصة في ظل رفع درجة توقعات المستهلك لمستوى الجودة المُتوقع الحصول عليه لأي سلعة يقوم بشرائها.  وهنا يأتي السؤال المهم، فما هذه العلاقة التي تربط بين السعر والكمية المطلوب شراؤها في الأسواق؟ وما أهمية وأنواع هذه العلاقة؟. بداية فإن المرونة السعرية للطلب هي المصطلح الذي يُستخدم في الاقتصاد لوصف التغير في سلوك المشترين نتيجة التغير في سعر السلعة أو الخدمة، وبالتالي فإن أي تغيُّر في الكمية المطلوبة من سلعة معينة بسبب التغير المُسبق في سعر السلعة نفسها يُمكن التعبير عنه بأنه درجة المرونة السعرية لهذه السلعة، أي أنه وبشكل بسيط، فإن المرونة السعرية هي عبارة عن العلاقة بين كل من سعر المنتج وكمية الطلب عليه، والتي تتأثر بشكل مباشر بهذا السعر، وبالتالي فإن التغير في الطلب على سلعة ما بسبب التغير في سعر هذه السلعة يُحدد مرونة الطلب على هذه السلعة من عدم مرونتها. وبالحديث عن أنواع هذه العلاقة فإنه يُمكن تلخيصها في خمس حالات وهي كما يلي: منتجات ذات طلب مرِن: وهي المنتجات التي تكون نسبة التغير في الكميات المطلوبة منها أكبر من نسبة التغير في السعر، وبالتالي فإن الطلب يكون بهذه المنتجات شديد الحساسية تجاه السعر، وخير مثال على ذلك هو أسعار تذاكر السفر، والتي في حال انخفاضها في إحدى شركات الطيران نجد أن مُعظم المشترين يتّجهون للحجز على متن رحلاتها وبنسبة تفوق نسبة الانخفاض في السعر وهو ما يجعلها مُنتجات مرِنة (مثلا انخفاض الأسعار بنسبة 10 % في أسعار تذاكر سفر شركة معينة قد يزيد من الحجوزات عليها بنسبة 20 % وهي نسبة أكبر من نسبة الانخفاض في السعر). منتجات ذات طلب غير مرِن: وهي المنتجات التي تكون نسبة التغير في الكميات المطلوبة منها أكبر من نسبة التغير في السعر، وبالتالي فإن الطلب على هذه المنتجات يكون قليل الحساسية تجاه السعر، وخير مثال على ذلك هو أسعار علب السجائر التي في حال ارتفاعها تجد أن نسبة قليلة من المشترين يتجهون للتوقف عن التدخين وهو ما يجعلها مُنتجات غير مرِنة، (مثلا ارتفاع الأسعار بنسبة 10 % قد يُقلل من المدخنين بنسبة 5 % وهي نسبة أقل من نسبة الارتفاع في السعر). منتجات ذات طلب مُتكافئ المرونة: وهي المنتجات التي تكون نسبة التغير في الكميات المطلوبة منها مساوية لنسبة التغير في السعر، وهي حالة نظرية يصعُب وجودها بالواقع العملي. منتجات عديمة المرونة: وهي المنتجات التي لا تتغير الكميات المطلوبة منها، بسبب أي تغير في السعر وتعتبر الأدوية الخاصة بالأمراض الخطيرة والتي لا تتوافر لها بدائل خير مثال عليها.  منتجات ذات مرونة لا نهائية: وهي المنتجات التي تتغير الكميات المطلوبة منها بنسبة كبيرة جدا بسبب أي تغير بسيط في السعر وتعتبر المنتجات الاستهلاكية الرخيصة خير مثال عليها، فقوارير الماء من نوع معين غالبا ما تفقد النسبة الأكبر من مستهلكيها في حال تم رفع أسعارها بنسبة بسيطة، حيث يتحول معظم المشترين لشراء أي من الأنواع الأخرى والمتوفرة بكثرة في الأسواق.  وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن التاجر الذكي هو ذلك التاجر الذي يعرف قيمة منتجاته، وبالتالي يعرف مدى نسبة استجابة الأسواق لأي تغيرات سعرية بها، وبناء على ذلك يقوم بوضع سياساته التسعيرية والتسويقية، وذلك وفقا لنسبة مرونتها السعرية وهو ما قد يساعده على رفع حصته السوقية، وبالتالي يزيد من أرباحه على المديين المتوسط والطويل، فالمرونة في العمل هي أن تُغيِّر من طريقتك لتُكمل في نفس الطريق، وهنا أتذكر مقولة الكاتب الشهير "نجيب محفوظ "، وهو أول أديب عربي حائز على جائزة نوبل في الأدب "لا تُجمِّد نفسك في نمط، فالنمطية مفيدة ولكن المرونة خير وأبقى".