يتبين أكثر فأكثر أن الدول التي يتَّكِل اقتصادها على المواد الأولية لا تتمتع بالاستقرار المطمئن للشعوب. ارتفاع الأسعار من نفط ومعادن وسلع غذائية على مدى عقود أفاد مرحليا تلك الاقتصادات، لكن أضرها على المدى البعيد كما يظهر جليا اليوم في دول مجلس التعاون الخليجي وغيرها من الاقتصادات النفطية أهمها فنزويلا. الاستمرار في تقديم كل الخدمات صعب عندما يتدنى سعر المادة، وما نشهده بشأن فنزويلا وفقدان أهم السلع الغذائية والاستهلاكية من المخازن ومحلات البيع محزن ويدعو للعجب تجاه سرعة تدهور الأوضاع. هل مشكلة فنزويلا نفطية أم إدارية حيث يتفشى الفساد في السياسة والإدارة؟ يتبين أكثر فأكثر أن القطاع النفطي لا يمكن أن يكون ذلك القطاع الذي يستوعب العمالة المتزايدة في الداخل كما عبر الاستيراد. أهمية النفط تكمن في توسيع قطاعات أخرى كالإنشاء والصناعة والخدمات التي تستوعب العمالة وتسبب النمو. كيف يمكن للدول النفطية أن تفك ارتباطها القوي بأسعار النفط علما بأن المسيرة طويلة وشاقة؟ رؤية 2030 السعودية مهمة جدا في محتواها وأهدافها وشمولها ووسائل تنفيذها، إلا أن المطلوب أيضا أن تنفق أكثرية هذه الأموال على تحسين أوضاع الشعب مباشرة وسريعا عبر تطوير التعليم والصحة وكافة الحاجات الاجتماعية بالإضافة إلى البنية التحتية التي تحتاج دائما إلى الاستثمار والصيانة. تبعا لإحصائيات صندوق النقد، ينحدر النمو السعودي السنوي من معدل 4,3% في فترة 2000-2012 إلى متوقع قدره 1,2% لهذه السنة و1,9% لسنة 2017. بالنسبة لدول مجلس التعاون ككل، ينحدر النمو من 5,1% سنويا لفترة 2000-2012 إلى 1,8% و2,3% لسنتي 2016 و2017. المطلوب العودة إلى النمو القوي مع أسعار نفط منخفضة، أي أسعار اليوم. عربيا هنالك دولة نجحت في تنويع اقتصادها وهي المغرب المعتمدة أصلا على الفوسفات. نقلت اقتصادها من الاعتماد على قطاعات بدائية إلى أخرى متطورة ذات قيمة مضافة عالية رفعت نسب النمو إلى حدود 4,7% في سنة 2014. لعقود خلت، كان الوضع الاقتصادي المغربي مرتبطا مباشرة بسعر الفوسفات، إن ارتفع تحسنت الأوضاع وإن تراجع ساءت الظروف وهلم جرا. هذا طبعا خطر وغير مقبول وتنبهت له الحكومات المغربية، إلا أن التنفيذ لم يبدأ عمليا إلا في سنة 2008، حيث وضعت الحكومة خطة للتنويع وتخفيف المخاطر ودعم الاستقرار. من هنا وبين سنتي 2010 و2014، تراجعت نسبة الفوسفات من الصادرات أكثر من 4%، بينما ارتفعت الصادرات الصناعية من سيارات وإلكترونيات وقطاع الطيران أكثر من 8% إلى 28% من المجموع. نوعت المغرب جغرافية أسواق الصادرات، حيث تراجعت إلى منطقة اليورو من 69% إلى 56% وزادت إلى أمريكا اللاتينية من 3% إلى 7%. ارتفعت حصة قطاع الخدمات في الناتج المحلي من 40% إلى 55% في الفترة نفسها. نجحت المغرب في تطوير أسواقها المالية وقطاعها السياحي، حيث يزورها سنويا أكثر من 10 ملايين سائح يستفيدون من معالمها وخدماتها وانفتاحها الاجتماعي على كافة الحضارات والثقافات والحاجات. لا شك أن مشكلة البطالة تبقى موجودة في حدود 10% وأعلى بين الشباب بسبب سوء التجانس بين إنتاجية العامل وحاجات القطاعات الجديدة. فالزراعة تشكل 14% من الناتج وتوظف 45% من اليد العاملة، مما يدل على ضعف الإنتاجية وسوء التنويع الإنتاجي. نجاح المغرب مهم وإن يكن نسبيا وفي بدايته، إلا أن الجهود المستثمرة كبيرة وفي الاتجاه الصحيح. إذا نجحت المغرب، فلماذا لا تنجح الدول العربية الأخرى من نفطية وزراعية ومعدنية؟