العملة الوطنية والدولار

إدارة الاقتصاد الوطني اليوم محمية بصورة أفضل كثيرا حينما تكون العملة الوطنية مرتبطة بالدولار القوي، خاصة في ظل مجموعة التحديات العديدة التي تخلق بدورها متطلبات مستجدة لا بد من التعامل معها على كل المستويات، احتياجات تفرض على الدول إعادة التفكير والنظر في السياسات النقدية والمالية التي تتبناها منذ فترات طويلة، بما في ذلك أنظمة أسعار الصرف الثابتة. وذلك بالطبع ناتج عن استمرار التباعد بين الدورات الاقتصادية بالمنطقة العربية. حيث يُقدر تقرير صندوق النقد الدولي أنحجم الإنفاق المتوقع على مشاريع البنية التحتية وصل لما يعادل نسبة 12% من الناتج المحلي الإجمالي سنويًا خلال الفترة من 2014 – 2019م. وقد انقسم المحللون الاقتصاديون بين معارض لسياسة فك الارتباط ومؤيد لها، فهناك الفريق المعارض الذي يؤكد أنه لن يخدم الأهداف الكلية لاقتصادات الدول في معالجة معدلات التضخم، كما يجب أن يخضع ذلك للدراسة والتحليل. وإن كانت تبعات القرار نجحت جيدًا سابقا وساعدت في دعم وترسيخ اقتصادات الدول والإبقاء على معدل التضخم عند مستويات منخفضة إلا أن الأمر لن يكون كذلك إذا كانت الآفاق المستقبلية للدولار الأمريكي ضعيفة، بل قد يكلف ويضرب الاقتصاد الوطني أحيانا كثيرة ويتسبب في الخسارة في حالة أن تكون قيمة الأصول القومية مقيمة بالدولار. وبالمنطقة الخليجية دولة الكويت هي الوحيدة بين دول الخليج المصدّرة للنفط التي تربط عملتها بسلة من العملات بعدما تخلت عن الارتباط بالدولار في عام 2007 م، برغم أن هذه السلة تعتبر الدولار الأمريكي هو الأرجح وزنًا بها فضلا عن أن الحفاظ على سياسة تثبيت سعر الصرف أمر له تكلفته على المصرف المركزي الوطني ليكون مستعدًا لشراء عملته أو بيعها في السوق المفتوحة على المديين القصير والمتوسط. وربما قد يؤدي إلى تضاؤل الاحتياطات من العملات الأجنبية. ولكن الدول تتجه لهذه السياسات وتدافع عنها بالوقت الحالي من أجل الاستقرار خاصة، بعد استمرار انخفاض أسعار النفط واحتياطاته. وإلا فالبديل الآخر ستختار نظام تعويم مضبوطًا حتى يؤدي إلى خفض قيمة العملة الوطنية مقابل العملة الأمريكية. لكن لهذه السياسة سواء التثبيت أم فك الارتباط إيجابيات وسلبيات، ففي كثير من الأحيان توفر ثقة مالية واستقرارًا نقديًا في ظل الاضطرابات التي تشهدها المنطقة عامة، كما تساعد هذه السياسة في احتواء التضخم وتعزيز ثقة المستثمرين الأجانب. وهي أفضل من أي سياسة نقدية أخرى لأسباب، منها أن هناك إرادة سياسية والتزاما للحفاظ على الربط نظرًا لفوائده الاقتصادية للمستهلكين والاقتصاد الوطني خاصة مع توفير موارد مالية للحفاظ على ربط سعر الصرف، كما يزيد من الاستقلالية النقدية المحلية. أما الفريق المؤيد من المحللين الاقتصاديين فيرى أن الدول التي تعتمد على نظام سعر صرف عائم تتعرض إلى التقلب المتزايد في معدلات التضخم وأسعار صرف العملات الناجم، ما يجعل من الصعب اجتذاب العمال الأجانب ورؤوس الأموال الأجنبية وهما المحركان الرئيسيان للتنمية، حيث سيؤدي تراجع أسعار النفط العالمي إلى انخفاض في قيمة العملات الأجنبية لأنه هناك علاقة عكسية، فعندما ينخفض الدولار يرتفع سعر النفط في سوقي العرض والطلب، بما يحدد قيمة النفط مقيما بالسعر الحقيقي وليس السعر الاسمي الذي من شأنه أن يثير ارتفاعًا كبيرًا في التضخم. وهو ما تؤكده التجارب الدولية في روسيا على سبيل المثال. ونتيجة لذلك تقوم البنوك المركزية برفع أسعار الفائدة لجذب رؤوس الأموال الأجنبية والحد من تراجع قيمة العملة الوطنية والسيطرة على ارتفاع مستويات التضخم المحلية، وكان النمو سيتأثر سلبيًا بشكل شبه حتمي بسبب تراجع الاستهلاك الخاص نتيجة لتقلص القوة الشرائية للمستهلكين، ليصبح الاستهلاك أقل جاذبية من الادخار الذي يؤدي أيضًا تراجع الاستثمار نتيجة لارتفاع أسعار الفائدة المحلية وتكون معه سياسة ربط العملة الوطنية بالدولار مفيدة.