طريق التنمية سالكة

تختصر التنمية بالأمل للشعوب كي تعمل وتستهلك وتتطور، وهذا يغيب عن عدد كبير من الدول الفقيرة والمتوسطة. لم تأت الكورونا من لا شيء، بل حتما من سوء التصرف الثقافي والاجتماعي من قبل مواطني العالم. الكورونا ليست موضوعاً صحياً فقط، بل حضارياً بالدرجة الأولى نتج عن سنوات من الحياة الاقتصادية والمالية المتهورة. حقيقة، لا يعرف العالم النامي اليوم قيادات كبيرة ذات رؤية متقدمة ومتطورة كما في السابق أي كنايريري في تانزانيا وسوكارنو في أندونيسيا ومانديلا في أفريقيا الجنوبية. تلك القيادات غابت، وكانت ستقوم بدور كبير نوعي في الظروف الصعبة التي نعيش فيها. للأسف لا ينعم العالم اليوم بقيادات مماثلة مع أخلاق عالية وتصرفات فاضلة وروح وطنية توجه الحكومات والسكان نحو الطرق الصحيحة وشاطئ الأمان. قبل الكورونا أي حتى آخر 2019، كانت مستويات الفقر في العالم في انحدار واضح باستثناء عدد قليل من الدول الأفريقية والآسيوية التي بقيت مستويات الفقر داخلها مرتفعة بالرغم من المساعدات. من هذه الدول افغانستان، غانا، كوريا الشمالية، السودان واليمن. هنالك دول أخرى في منطقتنا العربية يمكن اضافتها الى اللائحة من 60 دولة تكلم عنها الاقتصادي "بول كوليير" Collier في كتب عدة. يأسف المؤلف لتراجع هذه الدول ولبراعتها في إضاعة الفرص الثمينة العديدة التي أتت. هنالك أسباب متعددة لتخلف الدول الستين عن قطار التنمية منها الفساد وهذا واضح في معظم الدول النامية وظاهر أيضا في لبنان على سبيل المثال وفي العديد من الدول العربية. في لبنان، هنالك اجماع شعبي على أن الفساد يقتل الفرص الكبيرة والمبادرات التي تقدم الينا. هنالك مواضيع قليلة يجمع عليها اللبنانيون أهمها الفساد العام وسوء الادارة والهدر والسرقات كما غياب المحاسبة الموضوعية عبر القضاء. أما التقلبات السياسية الكبيرة فلا تسمح للاقتصاد بالنهوض والتطور لغياب الأفق الايجابي بشأن المستقبل. من يستثمر في دول تتعرض للزوال أو للسقوط الاداري والسياسي والقانوني؟ في هذه الدول تغادر الشركات وتهرب الاستثمارات ويهاجر المواطن خاصة أصحاب الكفاءات والشهادات والخبرات. في لبنان اليوم نواجه هجرة أدمغة خطيرة بسبب التشاؤم وسقوط الليرة وغياب الأفق الجيد، وبالتالي نخسر أهم الأطباء والممرضات والقضاة وأصحاب الشهادات العالية. هذه هجرة دائمة لمواطنين منتجين في منتصف العمر يغادرون الى دول تقدر الكفاءة وتحترم النزاهة وتنوه بالجهود والانتاج الجيد. أما ادارة القطاع العام، فلا يمكن لمجتمع أن يدار بالفوضى وسوء الرؤية وانتشار الفساد. كيف يمكن لمجتمعات كهذه أن تواجه الكورونا التي تتطلب جمع كل القدرات البشرية والمادية؟ كيف يمكن لمجتمع أن يطبق نصائح الادارات العامة اذا كان لا يحترمها أو لا يثق بها وبالتالي تنتشر الكورونا؟ لا نزال نسمع في هذه المجتمعات مواطنين لا يعترفون بالكورونا، واستمروا بالتجمع والسهرات والاحتفالات وكأن الأمور عادية. الأمور حتما خطيرة في المجتمعات التي تعاني من الشح المادي وترفض قبول التقدم العلمي كما الوقائع والنصائح والتوجيهات.