تسريبات (فنسن).. ماضٍ يرسم المستقبل

انتشرت في الأيام الأخيرة تسريبات كثيرة تتحدث عن مزاعم بتورط بعض المؤسسات المالية والمصرفية في العالم وعلى مدى عشرين عاما سابقة بعمليات فساد وغسل أموال مشبوهة قدرت قيمتها بنحو اثنين يترليون دولار أمريكي، هذه الأخبار وبالرغم من أنها تعود لسنوات سابقة إلا أنها هزت القطاع المصرفي كونها تحدثت عن تورّط أسماء بنوك كبيرة مثل: جي بي مورغان تشايس، إتش إس بي سي، ستاندرد تشارترد، دويتشه بنك، سيتي بنك، وغيرها من أكبر وأهم مؤسسات هذا القطاع في العالم. فمن أين أتت هذه التسريبات؟ وعن ماذا تتحدث؟ وما هي أهميتها وتأثيرها على المصارف؟ (FINCEN) أو (فنسن) هو الاسم المختصر لشبكة التحقيق في الجرائم المالية التابعة لوزارة الخزانة الأمريكية، وهي الجهة التي تسربت منها أكثر من مائتي ألف وثيقة خاصة ببعض المعاملات المالية والتي كشفت كيف قامت بعض البنوك العالمية بالسماح بنقل أموال مشبوهة تقدر قيمتها بأكثر من اثنين تريليون دولار أمريكي حول أنحاء العالم في الفترة من العام 1999 وحتى العام 2017، ووفقا لهذه الوثائق فقد تورّطت في هذه العمليات مؤسسات مالية من معظم دول العالم مثل الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة وألمانيا وصولا إلى الهند واليابان وغيرها بل وحتى بعض الدول العربية. هذا وقد أكدت هذه الوثائق أن بعض أكبر البنوك العالمية كانت قد غضت الطرف عن عمليات مالية تمت لصالح مشتبه بهم من مجرمين وتجار مخدرات وحتى إرهابيين وبالتالي مكنتهم من نقل أموالهم غير المشروعة من وإلى جميع أنحاء العالم، بحيث صُنفت بعض مدفوعاتهم على أنها دفعات لجمعيات خيرية أو تبرعات وهدايا وغيرها من الأمور التي تم تقديمها لأفراد ومؤسسات غالبا لم يتم التحقق منها. وبالرغم من خطورة هذه التسريبات إلا أن أهميتها تظهر بشكل واضح بكونها كشفت عن نقاط ضعف واختراقات في أنظمة الرقابة على عمليات الاحتيال وغسل الأموال في العالم، وهو ما يستدعي إجراء إصلاحات أساسية لتضييق الخناق على هذه الأنشطة غير الشرعية بهدف سد الثغرات التشريعية التي يتم استغلالها لتنفيذ معظم هذه العمليات، وهنا تجب الإشارة إلى أن معهد التمويل الدولي كان قد دعا سابقا إلى تحقيق توازن بين عملية إدارة مخاطر الجرائم المالية وعملية ضمان وصول العملاء الشرعيين إلى النظام المالي حيث طالبت منظمة الشفافية الدولية باتخاذ إجراءات حاسمة لوقف تدفق الأموال غير الشرعية إلى البنوك، كما أن المؤسسات المالية اتفقت على ضرورة التمييز بشكل واضح بين الممارسات المالية القانونية وغير القانونية وفقا لمعايير محددة. وبالحديث عن الآثار المحتملة لهذه التسريبات فإنه وبالرغم من التوقعات بفرض جزاءات وغرامات على بعض المصارف والجهات المتورطة، إلا أنني أعتقد وبشكل واضح أن عملية تغيير طرق وإجراءات التحويلات المالية نفسها ستكون هي الأكثر تأثرا، وبالتالي فإن استخدام التكنولوجيا الحديثة والهندسيات المالية المستجدة بهذا السياق قد تصبح أمرا حيويا لجميع المصارف بغض النظر عن مدى تورطها بالعمليات السابقة، فالبنوك وهي خط الدفاع الأول في وجه عمليات تحويل الأموال المشبوهة، يجب أن تعمل وفق ضوابط إشراف وأسس مساءلة صحيحة لإيجاد حوافز تشجعها على مراقبة تحويلات العملاء المشتبه بهم دون تعرضها للخسائر، ومن هنا فإن عمليات تغيير جذرية قد تواجه القطاع المصرفي الذي بات رهينة لحروب مالية بين بعض الحكومات والكثير من الخارجين عنها. وأخيرا وبرأيي الشخصي فإن عملية الرقابة الكاملة على التحويلات والعمليات المالية وبرغم التقدم التكنولوجي، ما هي إلا حلم جميل قد لا يتم تحقيقه، فالتجارب السابقة أثبتت أن صغار المودعين غالبا ما يتحولون لوقود عمل للقوانين والأنظمة الرقابية الجديدة، أما كبار المودعين فهم يملكون من العقول والأدوات ما يمكنهم من اختراق معظم الأنظمة المالية حتى قبل تطبيقها، وهنا وحول تورط بعض البنوك بعمليات التحويل السابقة لا يسعني إلا أن أتذكر المقولة الشهيرة لأحد المصرفيين: يا صديقي، إذا قمت باقتراض مبلغ مليون دولار من أحد المصارف ولم تستطع السداد، فاعلم أنك في ورطة ويجب أن تجد الحلول لذلك فورا، أما إذا قمت باقتراض مبلغ مليار دولار من أي مصرف ولم تستطع السداد، فاهدأ واعلم أن المصرف نفسه أصبح في ورطة وبالتالي هو من سيجد لك الحلول.