التغيُّر والتحوُّل سُنّة من سُنن الكون وسِمة من سمات العصر، عصر السُرعة والتبدُّلات هو بالتأكيد عصر يحتاج للمرونة والسرعة في التشكُّل بناء لما تحتاجه هذه الحياة بظروفها المُتغيرة، حداثة حقيقية وتكنولوجيا مُتطورة تجعل من الإنسان أداة حقيقية بين يديها، تُرِيه ما تودُّ أن يحب وتُغريه بما يؤثِّر بقراراته فيشتري ما يشاهد ويبيع ما هو قديم دون أي مفاضلة بين ما يحتاج وما يملك، فالمفاضلة والتفكير اصبحا مرادفا لأسلوب الحياة الرجعِّي، والمقارنة لم تعد بين ما احتاج وما استطيع أن املك بل تحوّلت لتُصبح بين ما املُك وما يملُك غيري، فالناس مجموعات وفئات والمقتنيات الخاصة بكل شخص هي من تُحدِّد لأي فئة ينتمى، فإن كان من عِلية القوم فلابد أن يشتري من متاجرهم ويأكل من غذائهم ومطاعمهم، وان كان من الطبقة الكادحة فلابد ان يعيش بمنازلهم ويتجول في أسواقهم، حياة واحدة من حيث المبدأ ومُتعدِّدة من حيث التفاصيل، مظاهر خارجية وسلع ظاهرة للعين المُجرّدة ترسم طريقا خاصا بين الناس ليتم تصنيفهم لاحقا بأنهم من هذه الطبقة المخملِية أو من تلك الفئة المُميزة، أما عن الانتقال من مكان الى آخر فلابد وان يحمل معه مصاريف وتكاليف جديدة تُثقِل كاهل المسافر بين الفئات وتُلقي بظلالها على ساعات عمله الطويلة، لكن وبالرغم من المصاعب والتحديات ستبقى كلمة "لا مُشكلة" هي العزاء الوحيد ما دام هذا الساعي إلى التغيير قد حقّق ما يريد وأصبح في المستوى المُتقدم من اللعبة، وأي لُعبة هي؟ إنها لُعبة الحياة، وهنا يأتي السؤال المُهم، ما هو السلوك الاستهلاكي للناس وما هي اهم مؤثراته؟ وما هي أهم أشكال وأنواع هذه المؤثرات؟ وما هو الدور الحقيقي للتسويق في عملية الشراء، وعلى أي أساس يبني المُستهلك قراراته الشرائية؟ وهل التسويق يتأثر بالبيئة الخاصة بالأفراد أم انه هو من يؤثر بها؟. أولا وقبل كل شيء فإنه يُمكن تعريف "السلوك الاستهلاكي" من الناحية العلمية على أنه كافة الأنشطة والأفعال التي يقوم بها الناس والأفراد بهدف الحصول على السلع والخدمات وبالتالي استعمالها على أن يشمل ذلك آلية وأسباب اتخاذ قرار الشراء نفسه، وهو ما يُبين وبشكل واضح أن السلوك الاستهلاكي يتضمن خطوات عملِّية مهمة، على رأسها الخطوات اللازمة لاتخاذ القرار الشرائي، بما في ذلك تحديد السعر والعلامة التجارية وحتى المكان الذي سيتم الشراء منه وطريقة الدفع المُستخدمة، قرارات كثيرة أصبحت روتينا يوميا لا نشعر به في كثير من الأحيان، برغم أهميته وتأثيره المُباشر علينا، وهو أيضا السبب الرئيسي الذي جعل رجال التسويق في العالم يركضون خلف تلك الأنشطة ويتفحصونها أملا منهم في معرفة أسرارها ومن ثم السيطرة عليها وتوجيهِها كما يريدون، فمعرفة العوامل التي تؤثر في قرار المُستهلِك تساعد في بناء مزيج تسويقي يُظهِر النقاط التي يجب التركيز عليها لتتفاعل داخل أدمغة المشترين وتُنتِج ردود أفعال وتصرفات تستهدف الإعجاب بالمُنتج ومن ثُم شراءه. وبالحديث عن اهم مؤثرات السلوك الاستهلاكي فإنه يمكن تقسيمها إلى مؤثرات داخلية، ومن أهمها دوافع الشراء نفسه وأسبابه وهل أن المُنتج الذي يتم شراؤه هو حاجة ضرورية للمُستهلك أم انه سلعة يستخدمها هذا المُستهلك لإشباع رغبة غير أساسية أو منفعة يُمكن الاستغناء عنها، كذلك فإن الثقافة العامة للمجتمع وتوجهات الأغلبية منه، بالإضافة للمعرفة التامة بالمُنتج وخصائصه غالبا ما تكون أحد اهم أسباب تفضيل مُنتج على آخر، وأخيرا وليس اخرا فإن القدرة الشرائية للمُشتري وثمن المُنتج نفسه ومدى توافر بدائل له تُعتبر أيضا سببا رئيسيا في أخذ القرار النهائي بالشراء، وبالانتقال إلى المؤثرات الخارجية فإن العادات والتقاليد وكذلك المهارات المُشتركة بين أفراد المجتمع قد تكون سببا مهما في عملية المُفاضلة بين المُنتجات خاصة في حالة ارتباط الأفراد بجماعاتهِم وأهالي أسرتهم وأقاربهم والتي غالبا ما تكون مُتشابهة بالكثير من عاداتها الشرائية، وكذلك فإن الإعلانات والتسويق الدعائي والإعلامي قد يجعل الشخص وفي لحظة واحدة يتجه من سلعة إلى أخرى ومن مُنتج إلى آخر بناء للصورة النمطية التي كرّسها هذا الإعلان لمُستخدمي هذه المُنتجات، مع العِلم انه وبالرغم من أهمية كل ما سبق من دوافع ومؤثرات إلا أن شخصية المُشتري نفسه وصفاته الشخصية غالبا ما تؤثر وبشكل واضح على كل طرق وقرارات استهلاكه الشخصية والعامة، فالمُستهلك غالبا ما يأخذ قراره بالشراء إما لأسباب رشيدة وضرورية لسد الحاجة مثل شراء الدواء، أو لأسباب نفسية وعاطفية مثل التفاخر بالقميص الحريري أو السيارة الفاخرة. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن عملية الشراء أصبحت في أيامنا هذه عملية مُعقّدة تتم عبر التفاعل الكامل بين الشخصية والقدرة على الشراء والإعلانات والحملات التسويقية، بالإضافة إلى العلاقة مع البائع ومكان الشراء، فكم كُنت مع صديق لا يُحب التعامل مع اسم تجاري مُعين أو لا يرغب في زيارة متجر مُحدّد لا يُشعِره بالراحة أو الانتماء، فالشراء والوصول إلى المنتجات في أيامنا هذه أصبح اكثر سهولة وسرعة مما اعتدنا عليه وهو ما يجعل التحديات القادمة أمام البائعين عديدة ليكون "إقناع المُستهلك بالمُنتج" هو التحدي الجديد للشركات وقطاعات الأعمال وهو أيضا تحد مُستمر يعتمد على عوامل عديدة تُدخل المُشتري للحظة في "غيبوبة الشراء" التي تأخذه من هذا المُنتج إلى ذاك فيشتريه ويعود أدراجه ليعود من جديد هدفا حقيقيا لعمليات شراء وبيع مُستقبلية، وهنا أتذكر مقولة أحد أهم رواد علم التسويق الأمريكيين "فيليب كوتلر" حين قال: "التسويق هو سباق بدون خط نهاية".