يستند كتاب «المستقبل» إذن على التنبؤ بالأحداث والتطورات القادمة وانعكاساتها السلبية والإيجابية، الأضرار والمنافع، وتأثيراتها على الإنسان، وذلك على ضوء التقدم العلمي الذي يشهده العالم في الوقت الحاضر، وما يأتي به من طفرات علمية وازدهار حضاري ونمو اقتصادي وإمكانات هائلة تنتجه المختبرات والتجارب والمراكز العلمية والمصانع والشركات على شكل أبحاث ودراسات وابتكارات وبراءات اختراع قادرة على معالجة مشاكل الإنسان والقضاء على الأوبئة والأمراض. وما تحدثه التقنية والروبوتات وأجهزة الذكاء الاصطناعي وعلوم الحاسوب كذلك من آثار ستكون لها انعكاسات هائلة على المستقبل، حيث تخضع «مجتمعاتنا، وثقافتنا، وسياساتنا، وتجاراتنا، ونظمنا التعليمية، وطرق التواصل مع الآخرين - وأساليب تفكيرنا - لعملية إعادة تنظيم جذرية مع ظهور العقل العالمي ونمو المعلومات الرقمية بمعدلات فائقة السرعة..». تناول الكتاب ملفات دسمة ومشكلات اقتصادية واجتماعية عديدة تعاني منها البشرية، مثل: الخلل في النمو السكاني، في بلدان تتناقص فيها أعداد المواطنين بشكل خطير، وأخرى تشهد نموا متسارعا وتدفقا هائلا للمواليد، «خلال القرن الماضي وحده، تضاعف عدد سكان العالم أربع مرات. ومن هذا المنظور استغرق الأمر 200 ألف سنة ليصل عدد جنسنا البشري إلى حد المليار نسمة». وانعكاسات هذا الخلل العميق على الأمن والاقتصاد وسوق العمل، وما تشكله من ضغوطات على البرامج والسياسات الحكومية، ونقصا في المواد الغذائية والخدمات وارتفاعا في معدلات التلوث وتراكم النفايات وعاملا لزيادة معدلات الهجرة وزحفا سكانيا من الريف إلى المدن ومشكلات اجتماعية واسعة. فمن أبرز المشكلات التي ناقشها الكتاب «النمو السريع للحضارة البشرية - في تعداد السكان، وقوة التكنولوجيا، وحجم الاقتصاد العالمي» في تصادم خطير يستنزف «الموارد الطبيعية الرئيسة التي تعتمد عليها حياة مليارات البشر، بما في ذلك الأراضي الزراعية والمياه العذبة»، إذ يقود هذا النمو إلى حرمان ملايين الناس في أنحاء العالم من الحصول على الطعام والمياه العذبة الصالحة للاستخدام الآدمي، وناقش المحور الخاص بـ"النمو" الخلل في احتساب مؤشرات قياس النمو الاقتصادي - الناتج المحلي المعتمد عالميا والذي اعتبره تبسيطا مبالغا فيه وخطيرا ضمنيا ومن شأنه أن يكون مضللا لأنه لم يأخذ بعين الاعتبار «التوزيع الفردي للدخل». من أبرز التحديات والمعيقات التي تواجهها البشرية كذلك الارتفاع المتصاعد في أسعار المواد الغذائية الأساسية وانخفاض مناسيب المياه الجوفية و«تآكل التربة السطحية وفقدان خصوبة التربة...» فيما تواجه حياة التحضر والتمدن هي الأخرى مشكلات تتمثل في «مدى قدرة الحكومات على توفير السكن اللائق والمياه العذبة، والصرف الصحي، وغيرها من الاحتياجات الأساسية»، حيث «يعيش أكثر من مليار نسمة في العالم في الأحياء الفقيرة اليوم». وفي البلدان الفقيرة خاصة في القارة السوداء تستحوذ الشركات العابرة للقارات على آلاف الأفدنة والهكتارات من الأراضي الزراعية التي تحولها لأغراض واستخدامات سياحية وصناعية وعقارية وتجارية وتستثمرها لتحقيق عوائد وثروات مالية ضخمة، فتسلب السكان مصدر عيشهم وتحرمهم من توفير لقمة عيش كريمة «إن الشركات الأجنبية تصل بأعداد كبيرة، وتسلب الناس الأراضي التي كانوا يستخدمونها منذ قرون. لا يوجد أي تشاور مع السكان الأصليين. تتم الصفقات سرا. الشيء الوحيد الذي يراه السكان المحليون هو قدوم أناس مع عدد كبير من الجرارات لغزو أراضيهم. جرى الاستيلاء على جميع الأراضي المحيطة بقرية عائلتي إيليا ويجري إخلاؤها حاليا».