فنجان قهوة

ما الذي يجعل فنجان القهوة اكثر متعة في مكان ما؟ هل هو البن الذي صنع منه أم هو الماء الذي خلط فيه او ربما النار التي حضر عليها، كثيرة هي الأسباب ولكن يبقى المكان هو سيد الموقف وعليه يعتمد ثمن تلك القهوة، ونحن لسنا بعيدين عن ذلك التشبيه فعلى الرغم من اختلافنا كبشر عن بَعضنَا البعض في الخصائص والصفات الا اننا نتقارب بالقدرات والامكانيات وهذا يحقق حكمة الخالق بالتكاملية القائمة على الاختلاف، ومع هذا التشابه تتحدد وجهة وقيمة وقناعات كل شخص على حسب البيئة والمكان الذي يوجد نفسه فيه.  فعلى مستوى الصفات اذا احاط الشخص نفسه بالمنافقين اصبح منافقاً مع نفسه ولا يستطيع ان يستسيغ غير المنافقين، وإذا احاط نفسه بالمتخاذلين جافاه الجد والعمل وإذا جاور العلماء صار للعلم محبا، وهكذا تتكون الصفات وتبنى الشخصيات، اما على مستوى العمل وبالنظر من جديد الى مثال القهوة، فهو نفس الفنجان وبنفس الطعم ولكن بأثمان متباينة واسعار مختلفة على اساس المكان الذي وجد فيه ذلك الفنجان، فعلى ناصية الطريق وعند البائع المتجول سيكون شبه مجاني اذا ما قورن بفندق الخمس نجوم.  وعلى نفس المنهاج تقدر قيمة الاعمال التي يقوم بها الأشخاص فليست القضية بمقدار الجهد والعمل الذي تقوم به ولكن المسألة والعائد هو بالمكان الذي اخترت ان تكون جزءا منه، وهنا يبرز التساؤل الكبير وهو هل نحن من نختار أماكننا والتي على اساسها تكون قيمة وطريقة ومنهج حياتنا، هل نحن من يختار اين نولد وأين نعيش وتحت اي ثرى سوف نكون، ليس في البداية ولا في النهاية لنا سبيل ولكن يبقى جزء من الخيار لنا في مرحلة الوسط وأين سوف نكون، وبالنظر للأهمية الكبيرة التي تنعكس على حياتنا في هذا الصدد كان لزاماً علينا ان نأخذ بكل الأسباب للتركيز وكأولوية على المكان والمحيط الذي نوجد فيه وبعدها يأتي التركيز على ماهية القيمة المُضافة التي نقدمها للمجتمع وفِي هذا الصدد يحضرني قول الرسول الكريم عليه أفضل الصلاة وأتم التسليم بقوله، (( إِنَّمَا مَثَلُ الجليس الصالح والجليس السوءِ كحامِلِ المسك، ونافخِ الكِيْرِ فحاملُ المسك: إِما أن يُحْذِيَكَ، وإِما أن تبتاع منه، وإِمَّا أن تجِدَ منه ريحا طيِّبة، ونافخُ الكير: إِما أن يَحرقَ ثِيَابَكَ، وإِما أن تجد منه ريحا خبيثَة)) وعلى ذلك يبقى لك الخيار، ويبقى هو فنجان القهوة نفسه ولكن علينا ان نختار المكان الذي نحتسيه فيه، والى ان نلتقي على رائحة القهوة هذه تحية وإلى اللقاء.