من جديد

نحن لا نميز شكل السعادة إلا بما أشبعت به عقولنا بأن شيئا ما أو حدثا ما أو شخصا ما سيجعلنا سعداء، وكل أنواع المشاعر والأفكار التي نحسها هي وليدة مصدرين فقط، إما الفطرة وإما ما يغذينا به المجتمع المحيط، وشاهد القول أنه يمكن تغيير الشعور بحدث ما من سعيد إلى حزين أو غاضب إذا أعدنا التفكير به بطريقة مختلفة. ولتفسير ذلك دعونا نعيش قصة فتاة المعطف ونعلق على أحداثها والتي كنت قد كتبتها سابقاً، حيث كانت سعيدة بمعطفها الأرجواني بين صديقاتها في المدرسة الابتدائية مع ابتسامة الأطفال في وقت الفسحة لم تفسدها الغيوم الرمادية في السماء ولا برودة الثلج على الأرض فقلبها الصغير لم يعرف حتى اللحظة إلا طعم السعادة، وعلى غير العادة دخل رجلان إلى المدرسة وأخذا بالحديث مع المُدرسة المسؤولة والتي أشارت بيدها إلى ذات المعطف الأرجواني، وبخطوات باردة تقدما نحوها ليخبروها سوف تكون بخير وقدما لها معطفا أخضر لم يكن جميلا ولكنها أحبت الهدية وفرحت بها كثيرا وأخذت تتباهى بمعطفها الجديد أمام صديقاتها، ولَم تكن تطيق صبرا لتعود إلى المنزل لتخبر والديها بالهدية. وما إن انتهى الدوام حتى عادت إلى المنزل لتجد أن الدخان لا يتصاعد من فوهة المدفئة على غير العادة وأضواء الحديقة مُطفأة وأوراق الشجر المتساقطة لم تنظف من أمام الباب، وما إن دخلت حتى وجدت أمها وقد تجمدت من الحزن وتحجرت الدموع في عينيها، فأدركت الفتاة الصغيرة بعقلها الصغير أن الأمر جلل وأنه أكبر من قصة المعطف، لتعلم بعدها أن والدها غادر الحياة وأن المعطف هو دلالة أنها أصبحت تحت وصاية الحكومة وأن والدها لن يعود ليوصلها مرة أخرى إلى المدرسة وأن الابتسامة لن تعود مرة كما كانت من قبل. غيَّر المعطف شكل الحياة للصغيرة إلى الأبد فقد كرهت ذلك المعطف، بل كرهت كل ما هو لونه أخضر حتى الربيع أصبحت ذكراه مؤلمة للونه الأخضر، وفِي حياتنا نواجه الكثير من المواقف التي تجعلنا في غاية السعادة في وقتها ولكن سرعان ما نكتشف أنها معطف أخضر وما أكثرها معاطفنا الخضراء، ولكن السؤال أنه كيف لشيء يجعلك في غاية السعادة الآن ومن ثم يكون هو نفس الشيء مصدر التعاسة لاحقاً، والإجابة هي اختلاف الزمان والعمر والخبرة، والمعرفة هي من تحدد طريقة فهمنا للحياة وبالتالي طريقة تقبلنا للسعادة، كذلك تبقى كل الأحداث في حياتنا تصنع وتعيد صناعة شخصياتنا إلى أن ننتهي، وسنبقى نقلب المعاطف ونتلقى الضربات ونصنع الإنجاز، لأن هذه هي حكومة الحياة التي إن أدركناها أم لم ندركها سنبقى ننفذ أجندتها، مع فرق صغير وهو أن العارف سيستمتع ويتقبل النجاح والفاشل والجاهل سيصدم مع كل معطف جديد.