المناسبات والأعياد.. اجتماع واقتصاد

الأعياد أو المناسبات ننتظرها جميعنا على أحر من الجمر، وغالبا ما نعتبرها فرصة مهمة للراحة أو لزيارة الأقارب والأصدقاء بل وحتى وقت فراغ يتم التخطيط له طوال العام بهدف استغلاله للقيام بأنشطة مختلفة يأتي على رأسها السفر والاحتفال والتسوق وإقامة الولائم وغيرها الكثير، فمن منا لا ينتظر العيد ليزور من لم يرهم منذ فترة طويلة ومن منا لا يتشارك مائدته مع أهله وناسه في معظم أيام المناسبات، ومن منا لا يتذكر زحمة الأسواق في موسم الأعياد. فها هو عيد الفطر مثلا يجعل من المطاعم ومحلات الحلويات أماكن مكتظة بالمشترين وها هو اليوم الوطني لأي دولة يجعل من بائعي الأعلام والرموز الوطنية مقصدا للجميع، أما عيد الأضحى فهو الموسم الأكبر والأهم للجزارين وتجار المواشي، أما في الغرب فها هي ليلة عيد الميلاد تحمل مبيعات الألعاب والهدايا على يديها لتحقق أرقاما قياسية وها هي مناسبات أخرى تُحقِّق أعلى مبيعات على مستوى الورود وغيرها الكثير، فهل الأعياد هي مناسبات للفرح تحولت بسبب رغبة الناس بإسعاد من حولهم وبدعم من التجار إلى مواسم للتجارة؟ وهل أن هذه المناسبات برغم رمزيتها وأهميتها الدينية والإنسانية والاجتماعية أصبحت مطلبا بل ضرورة للحركة الاقتصادية في العالم؟ أولا وقبل أي شيء فإن البعض يعتبر أن كلمة عيد في الُّلغة العَربيّة تعني (عود) حيث حُذِفَ حرفُ الواو وحلَّت مكانه (الياء) فأصبح عيد، وهي تعني العودة إلى يوم حصلت به ذكرى كبيرة أو إنجاز مهم، فيأتي العيد كمكافأة للصبر والتعب الذي تم بذله آنذاك. بداية وإذا اعتبرنا أن الاقتصاد هو الأنشطة المُتعلقة بالإنتاج والاستهلاك فإن الزيادة التي تحصل في عملية إنتاج السلع والخدمات خلال فترةٍ معينة تُسمى بالنمو الاقتصادي وهو ما يعمل بدوره على زيادة الأرباح للشركات، مما يؤدي لزيادة استثماراتها وبالتالي خلق المزيد من فرص العمل، وهو ما يؤدي إلى رفع الدخل وهو ما يدفع المستهلكين لشراء المزيد من المنتجات والخدمات والذي بدوره سيؤدي لحصول نمو واضح في الاقتصاد، الأمر الذي تسعى جميع الدول لتحقيقه. من الناحية العامة فإن عطلة الأعياد أصبحت للكثيرين هي مناسبة ممتازة للتسوق، حيث يعتبر البعض أن هناك علاقة طردية بين السعادة والإنفاق، أي أنه كلما كان الشخص سعيدا كلما أنفق أكثر، وهو ما يُبرر تحوُّل مؤشر السعادة لعامل مهم لفهم سيكولوجية الشعوب وحجم الإنفاق لديها، وهو أيضا ما يُفسر اهتمام بعض الشركات التجارية بالحصول على تاريخ ميلاد الزبائن لترسل لهم عرضا خاصا بهذه المناسبة، فبالنسبة لقسم التسويق كلما كانت بيانات الشركة مليئة بهذه الأعياد مثل عيد الميلاد أو ذكرى الزواج، كلما كان بإمكانها رفع مستوى البيع والتسويق، مثلا وإذا أخذنا الولايات المتحدة الأمريكية كنموذج فقد أظهر أحد الإحصاءات أن صناعة التجزئة الأمريكية حققت أكثر من ثلاثة تريليونات دولار أمريكي في عام 2013 من احتفالات أعياد الميلاد، حيث يتم شراء حوالي 25 مليون شجرة عيد ميلاد حقيقية كل عام بمتوسط سعر 60 دولارا للشجرة الواحدة وذلك فقط في السوق الأمريكي، بل إن هناك شركات أخرى ذهبت أكثر من ذلك فبدأت تُسوِّق لبعض الأيام على أنها أعياد خاصة لمشتركيها في محاولة منها لحثهم على الشراء فابتدعت فكرة يوم الجمعة الأسود مثلا، وهو يوم تخفض فيه أسعار المنتجات والبضائع بنسب قياسية بغرض تحفيز المستهلكين ليصبحوا مشترين فعليين عن طريق منحهم فرصة نادرة للاستفادة من العروض على البضائع والمنتجات في هذا اليوم من السنة. وأخيرا وبرأيي الشخصي ونظرا للأهمية الروحية والثقافية والاجتماعية التي تحملها الأعياد فإن اعتماد بعض العادات الجيدة والتي يمكن للإنسان من خلالها أن يغذي عقله وروحه تبقى هي الهدف الأساسي والمغزى المهم للأعياد والمناسبات، بل وتبقى الهدية الأكبر والأغلى في كل عيد هي طاعة الله وعمل الخير واجتماع العائلة وصلة الرحم، وهنا أتذكر مقولة الإمام أنس بن مالك «للمؤمن خمسة أعياد: كل يوم يمر على المؤمن ولا يُكتب عليه ذنب فهو يوم عيد، اليوم الذي يخرج فيه من الدنيا بالإيمان فهو يوم عيد، واليوم الذي يجاوز فيه الصراط ويأمن أهوال يوم القيامة فهو يوم عيد، واليوم الذي يدخل فيه الجنة فهو يوم عيد، واليوم الذي ينظر فيه إلى ربه فهو يوم عيد».