المحافظ الاستثمارية.. نور ونار

فكرة الاستثمار، ذلك الحلم الجميل الذي يُدغدغ أحلامنا ويرقص على دقات قلوبنا ليُغمض أعيننا ويطلق عنان أُمنياتنا المالية لنركض خلفها في كل الاتجاهات، استثمارات ناجحة وصفقات بيع وشراء رابحة، دوران مُستمِر لرؤوس الأموال وانتقال دائم من ربح إلى آخر، كثير من المال وقليل من الجهد، قرارات حاسمة وإمضاءات تحمل بين حروفها حسابات مصرفية ضخمة تتخطى الأصفار الستة لتسبح في عالم من الثراء والاستغناء، تلك هي الصورة النمطية التي نرسمها في أذهاننا لكبار المستثمرين الذين يتربعون على عرش الأسهم والسندات، محافظ استثمارية كبيرة تديرها مجموعة من أفضل عقول الاستثمار وأكثرها خبرة تتحرك وتتنقل باسم السيولة الساخنة بين أسواق العالم لتضيء بعضها وتحرق أصابع المتداولين في البعض الآخر، هذا ما قد نظن ولكن الحقيقة تقول لنا وتسألنا، هل فكرنا يوماً بأنه حتى هذه المحافظ من المُمكن أن تتعرض للخسارة ؟ أو أنها هي نفسها قد تلعب دور الضحية وتكون في موقع من يبحث عن أيدٍ تساعِدها على النهوض بعد أي من عثراتها الصعبة؟ هل فكرنا بأننا نحن الأفراد ومن حيث لا ندري مصدر رِبح تلك المحافظ الأول والأكبر؟ أسئلة كثيرة وأجوبة أكثر، فهُنا وللمرة الأولى لن يُصحِّح الأستاذ لتلاميذه الخطأ، بل سيُعيده عليهم ليقعوا فيه كل يوم، هنا سيدفع التلاميذ ثمن أخطائهم من قوتهِم ودخلِهم اليومي، فهنا لكل خطأ ثمن والأثمان تُسدّد بالأموال، والأموال وحدها من تُحرِّك الأسواق والبضائع، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هي المحافظ الاستثمارية؟ ما هي أنواعها وأشكالها؟ ولماذا هي موجودة وما هو الهدف من إنشائها؟ وما هي أهم سياسات وطرق الحُكم على نجاح إدارتِها من عدمه؟ أولاً وقبل كل شيء فإنه من المهم جداً معرفة أن المحافظ الاستثماريّة ما هي إلا وِعاء أو مكان يجمع فيه المستثمرون استثماراتِهم من أسهم أو سندات أو أي من الأصول الماليّة الأخرى مثل المباني والعقارات، وذلك بهدف جمع بياناتها ومعلوماتها في مكان واحد ما يُسّهِل عليهم متابعتها اليومية ومعرفة قيمتها اللحظية، وبالتالي أخذ قرارات الاحتفاظ أو البيع أو حتى الشراء الخاصة بها، هذا ومن المهم أيضاً معرفة أنه غالباً ما يكون الهدف من عمليات بناء المحافظ وأساس جمع الأصول والاحتفاظ بها هو تحقيق الأرباح وزيادة قيمة الاستثمارات والأصول، وهنا يجب التنويه إلى أن تقليص حجم المخاطر هو أحد أهم قواعد اللعبة الاستثمارية على أن يتم ذلك عبر التنويع في الأصول والممتلكات، فبعد تجارب كثيرة وخسائر جمَّة، أدرك الناس أن التنوُّع والتعدُّد في قطاعات وأنواع الأصول هو الطريقة الأفضل والأسرع لتخفيض حجم المخاطر المُصاحِبة لفكرة الاستثمار، وهو ما كبُر مع الأيام والأزمنة وتطوّر لاحقاً ليُصبِح أساس مفهوم إدارة المحافظ الاستثماريّة انطلاقاً من الجُملة الشهيرة "لا يُستحب وضع كافّة البيض الذي تمتلكه في سلة واحدة" وهو ما يعني أنَّه لا يتوجب على أي من المستثمرين المخاطرة باستثماراتهم كافّة في محفظة مُحدّدة أو قطاع ووِجهة واحدة تفادياً للخسائر ووِقاية من تقلبات الأسواق في تلك السلع والقطاعات، هذا وتعُود نشأة فكرة المحافظ الاستثماريّة إلى أواخر الستينيات من القرن الماضي وكانت بهدف تحقيق أرباح للأفراد على المدى المتوسط والطويل، وهنا فإنه من المهم معرفة أن الربح والمخاطرة هما مفهومان متلازمان، فكلما زادت المخاطرة زادت الأرباح والعكس صحيح، فلا يُمكِن لمستثمر مُتحفِّظ أن يحلم بتحقيق أرباح خيالية سريعة من خلال استثمارات آمنة ومضمونة، فالمخاطرة هي جزء من العملية الاستثمارية وهي كابوسُها الأسود الذي قد يقلب الدنيا رأساً على عقب فيجعل من استثمر اليوم غير قادر على دفع التزاماته العديدة غداً، أو أنه قد يجعل منه ثرياً لا يعرف ما يملك من أصول وممتلكات، سلاح ذو حدّين وقرار يربط كل شيء بهذه اللحظة، وهو ما يأخذنا للحديث عن أنواع المحافظ الاستثمارية والتي من أهمها: المحافظ الهجومية: وهي المحافظ التي تهدف إلى تحقيق الأرباح الكبيرة مع تحمُّل حجم كبير من المخاطر، بحيث تحتوي هذه المحافظ غالباً على أصول تمتاز بتقلّب قيمتها الكبيرة في الأسواق ما يُضاعف من أرباحها أو خسائرها في أي لحظة، ومن أمثلة هذه الاستثمارات أسهم الشركات التي تُعد في مرحلة النمو والتطوير السريعين مثل قطاع التكنولوجيا والاتصالات. المحفظة الدفاعية وهي عكس المحفظة الهجوميّة فهي لا تتأثر كثيراً بالتغيرات أو التحركات التي تحدث في السوق، ولذلك فهي تُعتبر آمنةً جداً للاستثمار كونها تنطوي على الحد الأدنى من المخاطِر، ومن أهم هذه الاستثمارات قطاعات الخدمات والمنتجات الاستهلاكية اليومية. محفظة الدخل وهي تهدف إلى تحقيق الأرباح بشكل دوري عبر الإيرادات والأرباح أو المنافع الأخرى، وهي غالباً ما تبحث عن الاستثمارات ذات العوائد المرتفعة بغض النظر عن إمكانية ارتفاع سعرها مستقبلاً ومن أمثلتها الاستثمار في الأسهم القيادية وأسهم العوائد. المحفظة المضاربة: يشير هذا النوع من المحافظ إلى الاستثمارات التي تتطلّب نسبةً مرتفعةً من المرونة بحيث يكون الهدف منها هو تحقيق الأرباح السريعة عبر شراء وبيع الأصول بشكل سريع ومُتكرر دون الاحتفاظ بها لفترات طويلة من الوقت. المحفظة الهجينة: وهي تقوم على أساس الدمج بين المحفظة الهجومية والمحفظة الدفاعية بنسب وأحجام مختلفة. وأخيراً وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن المحافظ الاستثمارية وإن كبرت إلا أنها تُدار عبر أشخاص قد يجعلون منها نوراً تقود للأرباح والنجاح أو قد يخطئون بقراراتهم فيحولونها إلى نار تحرق الأسواق والمستثمرين، وهنا أستذكر مقولة "وارن بافيت" رجل الأعمال الشهير حين قال"إن كنت غير مرتاح لشراء شيء ما لعشرة أعوام، فلا تشتريه لعشر دقائق".