التحوط.. الوقاية خير من العلاج

المستقبل، تلك الأيام القادمة التي ننتظرها بفارغ الصبر، تلك الأحداث والمواعيد التي نقضي حاضرنا بالنظر اليها والبحث عنها، فنحلم بأن نصل لها ونجدها كما توقعناها او كما خططنا لها ان تكون، هي ذلك المكان الجميل أو الذي نريده ان يكون جميلا كي نرى فيه أحلامنا وهي تتحقق، تفاؤل وبهجة بما سيأتي ولكن، وبالنظر الى أرض الواقع فإننا غالبا ما سنجد تغيرات كثيرة وظروفا خارجة عن إرادتنا، فهناك دوما أحداث مُحيطة مُختلفة وتطورات مُستمرة تمر بها الدول والاقتصاديات حول العالم غالبا ما تكون كفيلة بأن تعصف بأحلام الناس وموازنات الشركات، نعم هو مستقبل قادم لكنه مجهول، والانسان يخشى ما يجهله، وهي حقيقة كفيلة بأن تُحوِله من صورة البهجة السابقة الى صورة أخرى مُخيفة وقاتِمة، صورة قادرة وحدها على خلق جو من الضغط النفسي على كل من يعمل في مجال المال والاستثمار، وهنا تكمن المشكلة فالعمل الجيد قد يواجه ظروفا غير اعتيادية تجعل منه عملا غير ذي قيمة، فما فائدة التسويق والعمل الدؤوب للصالات الرياضية في زمن الكورونا، وما فائدة العدسات التصويرية في زمن التصوير الرقمي، بل واكثر من ذلك ما فائدة شراء الأراضي في مكان لا يوجد فيه من يريد شراء أو حتى استئجار شقة بسبب حرب اندلعت فجأة كحرب روسيا وأوكرانيا، ظروف سياسية او عسكرية او اجتماعية وغيرها الكثير، وكُلُها تملك القدرة الكاملة على توجيه الاقتصاد وتحويله من صورة الى أخرى، شركات تعمل من الناحية التشغيلية كما هو مطلوب منها فتُنفِّذ خِططها على أكمل وجه ولكن بلا فائدة فظروف خارج نطاق السيطرة هي الأقوى، وهو الأمر الذي قد يجعل من محاولة الحفاظ على ثبات الظروف المحيطة في المستقبل رغم صعوبته أحد أهم شروط نجاح العمل والاستثمار، وهنا يأتي السؤال المهم، فما هو التحوط؟ وكيف يتم العمل به؟ وما هي أهم انواعه؟ وكيف يمكن ان يؤثر على بيئة المال والاعمال مستقبلا وحاليا؟ أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا معرفة ان التحوُّط من الناحية الاستثمارية هو موقف يُتخذ في سوق معين وذلك في محاولة للتعويض عن التعرض للخطر ولتقلبات الأسعار في سوق آخر بهدف تقليل مواجهة للمخاطر غير المرغوب فيها، ولتبسيط التعريف فإنه وبشكل سريع يمكن وصف التحوط بانه اجراء يهدف في جوهره الى تخفيف المخاطر المُتعلِقة بالعمل والاستثمار حتى لو كانت بسبب ظروف محيطة ببيئة العمل نفسها، ولتوضيح الفكرة بشكل أكبر فلنفترض أن هناك شركة تعمل في مجال تأجير السيارات ولنفترض ان هذه الشركة تُحقق أرباحا ممتازة بناء لطريقة عملها المثالية، ومن ثم حصلت حوادث مع العديد من مستأجري السيارات، ألن يكون ذلك كافيا لتحويل الشركة للخسائر، الإجابة بلا شك هي نعم، وهو الأمر الذي جعل من قيام شركات التأجير بتأمين سياراتها أحد أهم وسائل النجاح في هذا المجال وبالنظر الى التأمين كفكرة فإنه أحد صور التحوط، فالشركة وخوفا من حصول حوادث لسياراتها قامت بتأمين هذه السيارات لتلافي حصول أي ظروف محيطة خارج نطاق التشغيل والتي قد تتسبب في خسارتها، كذلك فإن من يعمل بالتجارة الدولية وفي محاولة منه لتثبيت أسعار منتجاته بالعملة المحلية فإنه قد يضطر في كثير من الأحيان للشراء المُسبق وبثمن البضائع من عملة الدولة الأجنبية التي يشتري منها وذلك خوفا من انخفاض سعر عملته المحلية وبالتالي دفعه قيمة أكبر في المستقبل وهو ما قد يُحوِّل تجارته من الربح الى الخسارة، وكمثال أخير فإن شركات الطيران مثلا وفي حالة خوفها من ارتفاع أسعار النفط فإنها قد تقوم الان بشراء مخزون إضافي بالأسعار الحالية لضمان تلبية احتياجاتها القادمة بأقل التكاليف، وغيرها الكثير والكثير. وبما أن التحوُّط مُرتبط بالمخاطر فإنه من المهم معرفة أن أنواع التحوط أيضا مرتبطة بأنواع المخاطر، وهنا تجدر الإشارة الى أن أهم مخاطر السوق الشائعة هي «مخاطر ارتفاع الأسعار أو التضخم» وهي فقدان القوة الشرائية للاستثمارات التي لا تواكب التضخم، وعادة يكون التحوط ضد هذا الخطر عن طريق شراء الأصول مثل الذهب أو العقارات وخاصة تلك الأصول التي تميل أسعارها إلى الارتفاع اكثر من التضخم بمرور الوقت، وكذلك هناك «مخاطر العملة» والتي تشير الى التعرض للخسائر بسبب التغيرات في أسعار صرف العملات الأجنبية في السوق، وهي التي يتم التحوط لها بحجز بيع أو شراء كمية كافية من هذه العُملات، أما «مخاطر أسعار الفائدة» فهي تتمثل بتأثير تغير أسعار الفائدة على الاستثمارات خاصة لتلك الشركات التي تحمل قروضا وديونا كبيرة، ويتم التحوط لها بعدة طرق أهمهما تثبيت أسعار الفوائد عن طريق المبادلة، بالإضافة الى «مخاطر المركز المفتوح» وهي النوع الأكثر مباشرة من مخاطر السوق، والذي يعني احتمال فقدان قيمة الاستثمارات بسبب تقلبات الأسعار في السوق وهي التي يتم التحوط لها غالبا بتنويع المحفظة الاستثمارية. واخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الحفاظ على الأرباح ومحاولة عزل العمل التشغيلي عن البيئة المحيطة به يُعتبر عاملا مهما جدا لتحقيق الاستمرارية والنجاح في عالم الاعمال، فالتغيرات السريعة التي تطرأ على العالم جعلت من قطاع الاعمال قطعة من القماش في مهب ريح التكنولوجيا والتغيير، وهو ما يجعل من حبل الخلاص بالنسبة لهذه الشركات هو بناء أسوار تحميها من تقلبات الجو العاصف، فالتحوط وإن لم تظهر أهميته دائما الا أنه يُعتبر وثيقة تأمين في وجهة الأزمات والسقطات، وهنا أستذكر مقولة « بنجامين فرانكلين» الذي يقول « يمكنك أن تحب جارك قدر ما تشاء، لكن المهم الا تسحب السياج بين حدود أرضك وأرضه».