هنالك ركيزتان أساسيتان في أي دولة هما السلطة والمال. السلطة عبر المؤسسات الرسمية والأفكار الجيدة توجه وتشرع وتنفذ كافة القرارات العامة. المال يسمح بالتنفيذ ويشكل العصب الأساسي لأي اقتصاد. لم تحصل مثلا الثورة الصناعية بالصدفة في أواخر القرن الثامن عشر، بل كانت هنالك عوامل ومؤشرات فرضت حدوثها في المكان والزمان. بسبب الثورة الصناعية، تحولت بريطانيا إلى مجتمع اقتصادي ومدني فريد وجديد. بسبب التطور الصناعي تغيرت بريطانيا، لكن التغيير لم يكن سريعا وعنفيا، بل أخذ وقته وبهدوء. بسبب «الثورة»، ارتكز الاقتصاد البريطاني تدريجيا على الصناعة عوض الزراعة وتحركت الخدمات فيما بعد. ارتفع عدد السكان ونشأت المدن وانتقل الناس إلى المدن التي كبرت وتطورت. ارتكزت الأنشطة الصناعية على وحدات أنشئت لهذا الغرض، وليس ضمن المنازل كالسابق. طريقة الإنتاج الصناعي انتقلت من الحرفية إلى المهنية. أما قلب التغيير الصناعي، فكان البخار الذي أصبح مصدر الطاقة الأساسي بدل الحيوان والمياه والإنسان والأرض. تغيرت طرق الإنتاج الصناعي في النوعية والسرعة والمنهجية. ارتفع الإنتاج الصناعي وارتفعت التجارة الداخلية كما الخارجية. اهتمت الدول منذ ذلك الحين بميزاتها التجارية وبتحسين وضعها عبر زيادة الصادرات. بدأت الدول تفكر بوضعها الإنتاجي وبميزاتها التفاضلية للتخصص والإنتاج والتصدير. أصبحت نظريات «ريكاردو» واسعة الانتشار وهو الذي بشر بالتخصص الصناعي والتبادل التجاري مما يعزز الوضع الاقتصادي للمصدر والمستورد. انعكس التغيير الصناعي على المجتمعات في طريقة العيش والعمل. لم تكن الثورة فقط اقتصادية بل كانت اجتماعية فكرية تربوية صحية أثرت على تكوين المجتمعات ونموها والعلاقات فيما بينها. لم تكن ثورة سريعة بل أخذت وقتها عبر عقود من التغييرات البطيئة. كان هنالك مفكرون كبار انتشرت نظرياتهم عبر الوسائل الجديدة التي دفعت العالم إلى القرية الجامعة. من الصعب إيجاد سلطة عامة من دون مال حالي أو مستقبلي ظاهر أم مخبأ. السلطة تجذب المال بطريقة شرعية أو غير شرعية، والعكس صحيح، إذ يفتح المال شهية السلطة كما حصل مع الرئيس ترامب ورئيس الوزراء الإيطالي السابق برلوسكوني. الثروة أتت بترامب رئيسا أكثر بكثير من فكره السياسي. من الصعب إيجاد أشخاص أتوا إلى السلطة، أي سلطة رفيعة عامة، وخرجوا من دون مال حتى في أكثر الدول تطورا. محاكمات رئيس الوزراء الفرنسي السابق «فيللون» ورئيس الوزراء الإسرائيلي الحالي وغيرهما تشهد على هذا الواقع المرير. الثروة تكون عموما أكبر عند الخروج مقارنة بالدخول إلى الشأن العام. في الدول النامية والناشئة، السلطة والمال متلازمان في غياب الشفافية والمحاسبة وفي غياب الديمقراطية الحقيقية التي تمنع عمليا الارتشاء. الفقراء لا يصلون إلى السلطة حتى في أعرق الدول ديمقراطية أي الدول الإسكندينافية. هنالك دائما استثناءات لكن الحقيقة واضحة وهي أن المال يجلب السلطة والعكس صحيح. تطور المجتمعات يبنى على هذين العاملين المهمين من دون أن يعني ذلك أنه تطور إيجابي، بل ربما تغيير سلبي خاصة في الدول الضعيفة.