قبل سنوات سألت مسؤولة بالبرنامج الإنمائى للأمم المتحدة بالقاهرة، عن النسبة التى تصل للفقراء من إجمالى المعونات المخصصة لهم، وأجابت المسؤولة والتى تتولى إحدى الحقائب الوزارية المصرية حاليا: صفر!
ولم تكن الإجابة صادمة لأننى بحكم عملى الصحفى عايشت كثيرا من المؤتمرات المعنية بقضية الفقر، والتى تتم بتمويل من جهات المعونات الأجنبية، ورأيت كيف يتم إنفاق مخصصات الفقراء فى عقد المؤتمرات والندوات الخاصة بالفقر لعدة أيام بفنادق الخمس نجوم.
وسألت مسؤولا كبيرا بجهاز بناء وتنمية القرية المصرية عن النسبة، التى تصل لأصحاب الصناعات متناهية الصغر، مما يخصص لهم من المعونات الأجنبية فأجاب: 5 %، وهكذا نشأ بيزنيس ما يسمى بالصناعات الصغيرة ومتناهية الصغر، بين الجمعيات الأهلية بمصر، وأهناك أشخاص تركوا العمل الإعلامى وتفرغوا للعمل الأهلى الأكثر ربحية وشهرة.
وحاولت أن يتم وصول قدر ولو ضئيل من تلك الأموال لصالح الفقراء لكننى فشلت أكثر من مرة، ففى برنامج تدريبى ممول من إحدى الجهات الدولية بأرقى منتجع بشرم الشيخ، وخلال عشاء للمشاركين وسط الصحراء على خروف مشوى على النار تحت ضوء القمر، حاولت إستمالة رئيس الجمعية المنظمة للبرنامج لزيارة بعض المناطق الفقيرة التى أعرفها، كان رده أنه هذا ليس من ضمن أغراض الجمعية.
وهو نفس الرد الذى وجدته من قبل مسؤول منظمة ألمانية خلال مؤتمر لها بفندق أوبرج الفيوم، حين دعوته لترك بصمة بإحدى القرى الفقيرة المجاورة للفندق، التى تخلو كثير من مساكنها من وجود مراحيض وتقضى النساء حاجتهن بالخلاء، وأيضا من مدير مركز بحثى شهير ممول من المعونة الأمريكية والذى تولى وزارة المالية بوزارة الببلاوى.
رغم أن الأمر لم يكن يتطلب منه سوى عبور شارع صغير يفصل البرج الذى يشغل المركز أحد طوابقه، عن إحدى المناطق شديدة الفقر على كورنيش القاهرة، وكذلك من آخر وزير للتخطيط بعهد مبارك حين كان يتحدث عن الفقر بمؤتمر بفندق كونراد الذى تجاوره مناطق شديدة الفقر.
لكن آخرين قبلوا الدعوة لزيارة مناطق فقيرة منهم رئيسة للجنة الاقتصادية بالبرلمان بعهد مبارك، بل أنها مولت من مالها الخاص برنامج إقراض للفقراء بقيمة مائتى جنيه للقرض، ومنهم آخر وزير للتضامن الاجتماعى بعهد مبارك، والذى أرسل باليوم التالى للزيارة عبوة دقيق صغيرة ومبلغ خمسين جنيها لكل أسرة بمكان الزيارة، تكاد تكفى طعام يوم للأسرة حسب أسعار تلك الفترة.
ولم تخلُ الصورة من نماذج إيجابية منها جهة تمويل بلجيكية، قامت بعمل قرض دوار ببعض قرى صعيد مصر، كانت قيمة القرض أربعمائة جنيه، يتم استخدامه لعمل مشروعات تجارية بسيطة ساهمت فى تحسين مستوى معيشة من حصلوا عليه نسبيا.