بين الصحة والمال

بفضل الضرائب على التدخين، وكما تشير إليه التجربة الأوكرانية، انخفض استهلاك الدخان، تتحقق فوائد هذه الضرائب أكثر على المدى الطويل، حيث لا تكون الإيرادات المالية هي النتيجة الأساسية، بل التأثير الإيجابي على الصحة والإنتاجية. الطبقات الوسطى وما دون تستفيد كثيرا على المدى الطويل من الضريبة، وإن تضرر دخلها نسبيا على المدى القصير. في التشيلي، انخفض عدد المدخنين من 43,6% من المواطنين الراشدين في سنة 1992 إلى 34,7% اليوم. التأثير على الموازنة كان كبيرا جدا، كما التأثير على ميزانيات الأسر التي انتقلت إلى الإنفاق على الإيجابيات كالتعليم والتدريب. هل كانت الضريبة السبب الأول في انخفاض التدخين؟ لا، إذ إن الوعي الشعبي العالمي لمساوئ وضرر التدخين مهم حيث يتعلم الطفل منذ صغره ضرورة تجنب استهلاك هذه المادة، تقوم المدارس أيضا بتفسير التأثير المتنوع لاستهلاك التبغ. هنالك أيضا الإعلام والإعلان لمساوئ التدخين، حيث يمنع تسويق سلع الدخان عبر الإعلانات خاصة في الوسائل التي تطال الصغار. في دول عدة، يمنع إعلان الدخان في التلفزيونات. من الأفضل للأهل المدخنين عدم التدخين أمام الأطفال والصغار، هنالك إعلان كبير وقوي خطي على السلع الدخانية للمساوئ الصحية الخطيرة والمميتة. هنالك أماكن محجوزة للمدخنين في المطارات والمطاعم وفي العديد من المؤسسات الرسمية، هذا إذا لم يمنع كليا. يشعر المدخن نفسيا بأنه يقوم بعمل خاطئ أو مختلف أو سلبي، بحيث تحتجز حريته لدقائق منعا لتأثير الدخان الثانوي على المواطن. سياسات تخفيف التدخين المباشرة أو المنع المباشر في بعض المدن لا يكفي لتحقيق انتصار نهائي وكلي على هذه الآفة. يجب السعي إلى تغيير طلب المواطن أو نفسيته، بحيث لا يطلبها وهذا ممكن ومجرب. يمكن لهذه السياسات أن ترفع من مستوى المرونة، بحيث تؤثر الضريبة أكثر بكثير على الكميات المستهلكة وبالتالي تحمي حياة المواطن. لابد من معالجة التجربة التركية الفريدة، حيث وضعت الضرائب على الدخان وساهمت في تخفيف الاستهلاك الذي عاد وارتفع مجددا من 25,4% من المواطنين في سنة 2010 إلى 23,2% في سنة 2012، ثم 27,3% في سنة 2014 وأكثر اليوم. نسبة المدخنين عند الرجال 3 أضعاف النسبة عند النساء لكن التطور كان في الاتجاهات نفسها. أعلى نسبة عند المدخنين هي في أعمار من 25 سنة إلى 44 عند الجنسين ربما بسبب الضغط المادي والمعنوي والتحديات. ما هي الأسباب الأخرى للارتفاع؟ وجود عدد كبير من النازحين بسبب الأزمة السورية والذين يدخنون، كما حاليا بسبب الحرب التجارية الحادة ضد الولايات المتحدة. سابقا ارتفعت أسعار علب الدخان أقل من ارتفاع نسب التضخم، أي انخفضت أسعارها بالعملة الحقيقية. بسبب النمو الذي تحقق في تركيا خلال العقد الأخير أي حوالي 3% سنويا، أصبح المواطن قادرا أكثر على شراء الدخان لكن مع سقوط الليرة من المتوقع أن يتحول الاستهلاك إلى الدخان المحلي ربما مع بقاء الكميات على حالها.