عولمة الاستهلاك

هنالك تأثير أمريكي كبير على كل المجتمعات بدءا من الطعام وطرق تحضيره إلى الخدمات الصحية والقانونية وصولا إلى طرق وحجم الإنفاق الإعلامي والإعلاني. من منا لا يشاهد الأفلام الأمريكية التي تؤثر على حياتنا في ايجابياتها وسلبياتها؟ هنالك من يقول بأن الأفلام الأمريكية دمرت الحضارات الوطنية كما اللغات. يحاول الفرنسيون مثلا جاهدين أن يبقوا على حيوية لغتهم ونجحوا كثيرا، لكن المقاومة تبقى دائمة ولا يمكن التراخي بشأنها. هنالك حضارات أخرى خسرت نفسها وتوجهت كليا نحو طريقة الاستهلاك الأمريكي. من منا لا يأكل «الهامبورغر» و«البيتزا» التي طورتها المطاعم الأمريكية؟ من منا لا يتأثر بالإنتاج الأمريكي في الاقتصاد والطب والعلوم والآداب وغيرها؟ من لا يتأثر بالموسيقى الأمريكية الرائدة وهنالك قدرة إنتاجية وإبداعية فريدة؟ هذه الموسيقى عابرة للقارات وتقرب المجتمعات. من هي العائلات التي لم تتأثر بأفلام «ديزني» التي قربت الأذواق عند الأطفال. هنالك أيضا تأثير دولي قوي عابر للقارات ينشر طرق ومحتوى استهلاك أقوى من العادات الوطنية. هذا التأثير ربما ينبع من دول عادية وينتشر إلى الدول الكبيرة. هنالك مأكولات انتشرت من منطقتنا إلى كل الربوع مثلا «الحمص» و«التبولي» و«البقلاوة» و«الفلافل» التي نجدها أينما ذهبنا في كل المتاجر والمطاعم والملاهي. أنتج هذا الترابط الاستهلاكي الدولي ترابطا أيضا في المطالب الشعبية منها زيادة الأجور وتحسين المنافع والحقوق. توحيد الاستهلاك دون توحيد القدرة الشرائية يؤدي في العديد من الأحيان إلى عدم الاستقرار والشعور بالغضب. حرية الاستهلاك هي في غاية الأهمية، يجب على المستهلك أن يختار ما يشاء وبالتالي أن تكون الخيارات واسعة أمامه. لا شك أن للبناني الأصل «رالف نادر» دورا كبيرا في فرض حقوق المستهلك على الشركات والحكومات وله كتاب جديد في الأسواق يؤكد مجددا على هذه الحقوق الكبيرة. يؤكد «نادر» دائما على سيادة المستهلكين وحقوقهم في طلب الأفضل بالأسعار الأدنى، سبب ثورة استهلاكية عالمية بدأت منذ الستينيات نتيجة صراعه مع شركة «جنرال موتورز» وامتدت إلى كل القطاعات والدول والأزمان. إن توافر السلع الاستهلاكية المنزلية كالبرادات والغسالات والمايكرويف وغيرها غيرت المجتمعات وسمحت للرجال وخاصة للنساء بتوفير أوقات أطول للحاجات المهمة جدا كتربية الأطفال، كما وفرت إمكانية العمل من المنزل عبر الآلات والوسائل التقنية الحديثة. توافر هذه السلع أثر على إنتاجية العمل والقدرة على المساهمة في تطور المجتمعات من داخل المنزل. إن الاستهلاك يعكس الثروة والتطور في المجتمعات، تطور الاستهلاك في قيمته ونوعيته يؤدي إلى الاستقرار والسعادة داخل الأفراد والمجتمعات. لم تكن الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي فقط عسكرية وسياسية، وإنما أيضا استهلاكية حيت لم ينفجر الاتحاد السوفياتي إلا بعد أن شعر المواطن بالتخلف الاستهلاكي الذي يفصله عن الغرب. ظهر هذا الفارق مع الوقت بفضل الإعلام وطرق التواصل. لم يصبح الاستهلاك مزدهرا في المجتمعات المتطورة إلا بعد أن انتشرت وسائل التمويل السهلة عبر القروض الميسرة وبطاقات الائتمان.