تركز دول المنطقة منذ فترة طويلة على تنويع مصادر الدخل القومي، وعدم الاعتماد على النفط كمصدر وحيد للإيرادات الحكومية، الأمر الذي أدى إلى تبني العديد من الاستراتيجيات والرؤى لتحقيق هذا الهدف. ورغم مرور تلك السنوات إن الاعتماد على مصدر إيرادات النفط ما زال هو المحرك للحكومات في المنطقة، مع ارتباط مشاريع القطاع الخاص الكبيرة بالعروض التي يتلقاها من المؤسسات الحكومية. فمع نمو الايرادات المالية القادمة من المبيعات النفطية تنشط أيضا مشاريع القطاع الخاص، ومع تراجعها تتراجع هذه المشاريع. وهذا الحديث يتكرر تداوله في الصحافة الخليجية منذ السبعينيات من القرن الماضي مع الزيادة التدريجية التي شهدتها أسعار النفط العالمية لأول مرة بعد حرب اكتوبر عام 1973، في الوقت الذي تكرر الصحافة بضرورة تنمية كل الموارد الاقتصادية المتاحة واعطاء مزيد من الاهتمام لقطاع الصناعة. ومع كل تراجع في أسعار العالمية يتجدد موضوع التنويع الاقتصادي لدى دول المنطقة لايجاد المصادر البديلة لمواجهة التحديات والصعوبات المقبلة. وقد تبنت المنطقة الكثير من الأسس والاستراتيجيات لضمان المستقبل الاقتصادي لشعوبها من خلال تنويع مصادر الدخل القومي، وبأن القطاع الخاص هو الركيزة للاقتصادات الوطنية الحرة، بجانب العمل على إيجاد المواطن المؤهل لممارسة النشاط الاقتصادي والانتاجي باعتباره هو هدف التنمية، وغيرها من الأسس الأخرى، ورغم تلك المساعي من حكومات دول المنطقة إلا أن ما تم تحقيقه في هذا الشأن لا يرقى إلى طموحات الأوطان وأبنائها الذين ينتظرون تحقيق المزيد من الانجازات والمشاريع التي يمكن أن تحتويهم، بحيث يصبح كل شخص لديه عمل وشاغر في إحدى هذه المشاريع، في الوقت الذي لا زال هناك الآلاف من الخليجيين الباحثين عن العمل في دولهم. والمرحلة المقبلة – بلا شك- تتطلب من الجميع في المنطقة إبداء المزيد من الاهتمام للقطاعات الاقتصادية الأخرى كالصناعة والسياحة والثروة السمكية والزراعة والتعدين وغيرها والتي يمكن من خلالها تنويع الاقتصاد ومصادر الدخل وزيادة التصدير، بجانب الاستفادة من الثروة النفطية والغاز في تصنيع المزيد من المنتجات النهائية وتصديرها إلى الدول الاجنبية بأسعار السوق العالمية بدلاً من بيع النفط الخاص الذي تتذبذب أسعاره، بالاضافة إلى تنفيذ مشاريع عملاقة في قطاع الطاقة المتجددة (من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح) والتي يمكن لها أن تشكّل مصدرا هاما للدخل القومي للمنطقة، وتحقّق مزيدا من التغييرات الإيجابية في المشاريع الأخرى التي تحتاج إليها البنية التحتية للمنطقة مستقبلا، فيما يمكن لقطاع المعرفة أيضا أن يلعب دورا كبيرا في سياسة التنويع الاقتصادي، الأمر الذي يجب أن يولي له عناية كبيرة ومستمرة لتصبح المنطقة من خلال تكاملها في تلك المشاريع مركزا لهذه القطاعات خلال السنوات المقبلة. وهذه المشاريع – بلا شك- سوف تعزز التوجهات الوطنية للمنطقة، الأمر الذي يتطلب من الجهات المعنية المتابعة والاستمرار في تسهيل مهام وأعمال المؤسسات والشركات الاستثمارية التي تنوي الدخول في هذه المشاريع، والبُعد كل البُعد عن ممارسة البيروقراطية، وضرورة وأهمية إيجاد الشراكة الحقيقية بين القطاعين العام والخاص بالمنطقة، للإسهام بدور أكبر في إنشاء المشاريع الإنتاجية التي يمكن لها أن توفر العديد من فرص العمل للخليجيين، وتهيئ الظروف المناسبة للكوادر الوطنية من أجل الالتحاق بتلك الفرص واستقرارهم فيها.