ملامح اقتصادية من وجهات متعددة 1/4

في صحبة الكتب واستيعاب محتواها وموضوعاتها ومقاصد تأليفها، والتحليق في فضاءات المدن والبلدان والغوص في حياة الشعوب وثقافاتها، منافع جمة، تنمو الثقافة وتزدهر المعرفة، واكتساب لمعلومات وبيانات ومهارات كثيرة، وبالنسبة للكاتب تحصيل لمحتوى وعناوين ومادة دسمة تعينه على الاستمرار ومواصلة الكتابة، بالإضافة إلى الشعور بالبهجة والراحة والترفيه عن النفس ومعالجة الفراغ القاتل والرتابة المملة... وقد طفت خلال الأشهر القليلة الماضية وسافرت إلى كثير من الدول والمدن، وكتبت في "لوسيل"، عن حصيلة سفري إلى عدد من البلدان الأوروبية وتركيا، وسوف أتناول في هذا المقال ملامح ومؤشرات لنتف من الحياة الاقتصادية لدول أخرى زرتها قبل أسابيع على فترات متقاربة جدا، في ضوء المشاهدات والمواقف والصور التي وثقتها. ففي جمهورية مصر العربية، استوقفتني صورة الحشود الهائلة للسياح القادمين من أوروبا واليابان والصين وأمريكا وأفريقيا والهند... التي تتدفق على المعابد والصروح والمقابر والمتاحف والأهرامات والمساجد والأحياء والأسواق الشعبية... التي تنتمي إلى الحضارة المصرية القديمة والعصور الإسلامية المتعاقبة، فما تمتلكه مصر من كنوز أثرية هائلة لا تضاهى بأي مكان من العالم، فالأقصر لوحدها تمتلك "ثلث آثار العالم"، إلى جانب الثروة البشرية الكبيرة، والمائية التي يجسدها نهر "النيل" العظيم، والتي تعتمد عليه كذلك، القطاعات والأنشطة الأخرى الزراعية والحيوانية والصناعات والتجارة والسياحة، وقناة السويس ليست نهاية هذه الثروات بالطبع... وذلك في مقابل حالة البؤس والفقر والفاقة التي يعاني منها المواطن المصري في ظل شح الوظائف وضعف الدخول والبطالة المتجذرة وتراجعات العملة أخيرا، وارتفاع أسعار سلة الغذاء الأساسية، بسبب الحرب الروسية – الأوكرانية، فقد كان الجنيه المصري يتراجع بشكل يومي مقابل العملات الأخرى، في الأيام التي كنا فيها هناك، وتواصل الانخفاض بعد ذلك، لقد كانت مشاهد الأطفال والشيوخ وكبار السن من النساء والرجال تثير الأسى، وهم يفترشون الأرض ويلتحفون السماء ويحنون ظهورهم ويمدون أيديهم ويتوسلون أصحاب الضمائر لشراء ما يعرضونه من سلع وبضائع زهيدة أو يكرمونهم ببضعة قروش تضمن لهم رغيف خبز... فلماذا تمتلك بعض بلداننا العربية الثروات الطبيعية المتنوعة ومهيأة لتصبح من الاقتصادات المتقدمة، والدول المزدهرة، وتنعم شعوبها بالرخاء وجودة الحياة، فيما الواقع يأخذ أبعادا معاكسة؟ إنها سوء الإدارة، وصور الفساد المتنوعة والمتغلغلة، والبيروقراطية المتفشية، والنظم السياسية التي تعوق إحداث إصلاحات في بناها وهياكلها ومؤسساتها التشريعية والرقابية والقضاء... والتي تجذرت وتعمقت لعقود طويلة، هي المتسبب دون شك في الوضع المزري والاشكالات الخطيرة والأزمات المتفاقمة التي تعيشها الكثير من البلدان العربية، ويجني المواطن مراراتها وفواجعها. إلى جانب ذلك، فإن القوة الشرائية التي تدعمها الكتلة السكانية الضخمة المتنامية، والفجوات العميقة بين الأغنياء والفقراء ومتوسطو الدخل، وأفواج السياح القادمين إلى مصر، قادت مجتمعة إلى ازدهار ونشاط الأسواق ونمو التجارة بأشكالها وأنواعها، فالأسواق الشعبية والتاريخية والمراكز التجارية العصرية "المولات"، وتجارة الأرصفة والشوارع، والسلع والبضائع الجديدة والمستخدمة والمستهلكة، الغالية والرخيصة جدا، ومنتجات الحرف التقليدية والصناعات المحلية وما يرمز إلى الحضارات المصرية القديمة... جميعها تلقى رواجا وإقبالا منقطع النظير من المستهلك، وتلبي حاجاته وفقا لمستواه المعيشي والمادي ورغباته المتعددة والمتنامية، لذلك فإن الأسواق بتعدد أغراضها ومواقعها مزدحمة للغاية بالباعة والمتسوقين وتوفر فرص عمل متعددة للمواطن المصري. "يتبع".