«قواعد الاستدامة المالية»

جائحة كورونا أو كارثة 2020 الاستثنائية أنهكت الاقتصاد العالمي وأثقلت كاهله بأسقام شتى، وقادته إلى غرف العناية مسجى بين السياسات التقشفية والوقائية وإجراءات الحظر والإغلاق ومنع السفر وما شهده النشاط السياحي وأوردته من جمود وتراجع حاد في أسعار النفط وفي مبيعات الكثير من السلع الكمالية والترفيهية خاصة، والأنشطة الخدمية والعقارية... إلخ، وبين قرارات التحفيز والتشجيع والدفع وضخ المليارات لاستعادة بعض من النشاط والنمو، «جملة الحوافز لمواجهة تداعيات كورونا في السلطنة بلغت 8 مليارات ريال عماني»، ما أدى إلى انكماش معظم اقتصادات الدول الكبيرة منها والصغيرة، وهي حالة عامة وإن كانت بمستويات متباينة. هذه الانعكاسات أثرت على اقتصادات دول الخليج بشكل عميق، فجائحة كورونا وتراجع أسعار النفط في الأسواق العالمية وزيادة الإنفاق خلال السنوات الماضية وإخفاق سياسات التنويع والإصلاح والفساد المالي والإداري.. جميعها كانت أسبابا ضاعفت من متاعب اقتصاداتها ومنها السلطنة بالطبع، فوفقا لتصريحات معالي أمين عام وزارة المالية، فإن الجائحة أثرت على «خطة التوازن المالي 2020 - 2040 في حدود 13 مليار ريال عماني» مشيرا إلى أن «ارتفاع العجوزات المتراكمة والمديونية وانخفاض التصنيف الائتماني أدى إلى ظهور تحديات مالية كبيرة» قادت حكومة السلطنة إلى مراجعة «كافة الافتراضات والأرقام والمبادرات الموجودة في الخطة»، وإلى إقرار خطط وبرامج وسياسات إصلاحية واسعة و«إرساء قواعد الاستدامة المالية» وفي حال أنها لم تطبق فإن «الآثار ستكون أكبر على الاقتصاد الوطني» - وقد تحدثت عنها بالتفصيل في سلسلة المقالات التي نشرتها "لوسيل" خلال الأشهر القليلة الماضية - وذلك لتحقيق جملة من الأهداف تتمثل في زيادة الموارد وتقليل وضبط الإنفاق وإنجاح سياسات التنويع وتحفيز الأنشطة الاقتصادية وجذب الاستثمارات الأجنبية عبر سلسلة من الخطوات تمثلت في الآتي: هيكلة الجهاز الإداري، وإحالة شريحة من موظفيه إلى التقاعد وفقا لاشتراطات وأسس محددة والاستغناء عن ما لا يقل عن 70% من الأجانب بعدم تجديد عقودهم، لمعالجة الترهل وضبط عدد الموظفين في مؤسسات الدولة الذي ارتفع خلال الأعوام الماضية بشكل قياسي وتخفيض بند الرواتب الذي يشكل ما نسبته «60% من الموازنة الجارية»، وإحداث إصلاحات في القطاعات والأنشطة الاقتصادية بما في ذلك الشركات الحكومية وتقديم حوافز وتسهيلات بأشكال ووسائل متعددة وضمان زيادة الموارد و«تسهيل القوانين والتشريعات والنظر في بيئة الأعمال وجذب الاستثمار الخارجي»، فرض وزيادة الرسوم والضرائب ورفع الدعم عن الكهرباء والماء «وفقا لتصنيف فئات المشتركين» وبما لا يؤثر على أصحاب الدخول الصغيرة لتخفيف الأعباء عن الموازنة العامة للدولة، إقرار مجموعة من السياسات لتعزيز الدور الرقابي والمحاسبة والمساءلة لضبط الانفاق وتجفيف منابع الفساد، «توحيد المشتريات لكافة الوحدات الحكومية لتقليل الإنفاق». الكثير من هذه القرارات والتوجيهات والإعلانات أثارت اللبس واللغط في الشارع العماني وقادت إلى طرح الكثير من التساؤلات عن جدواها وتأثيراتها على النمو الاقتصادي من جانب، وانعكاساتها على حياة المواطنين من جانب آخر. مما لا شك فيها أن التحديات الاقتصادية عميقة ولكن الآمال ما زالت معلقة على السياسات المقرة وخطة «التوازن المالي» لتجاوز الانكماش والتغلب على التحديات.