الشركات المتوسطة والصغيرة.. حجر الأساس

في زماننا هذا، ومع اختلاف طرق وأنواع الخدمات المُقدّمة للعملاء، بات تحديد أحجام الشركات وتصنيفاتها مثيرا للحيرة، فالبعض يرى شركات تُقدّم خدماتها في معظم دول العالم، ولكنها تقوم بذلك عبر وسطاء خارجيين منتشرين في كل الدول، فهل هذه الشركة هي من الشركات الكبرى أم أنها من الشركات الصغيرة والمتوسطة؟ والبعض الآخر يزور مصانع ضخمة تضم في سجلاتها آلاف الموظفين بالرغم من نشاطها وانتشارها المتواضع، فأين هي من باقي الشركات، وغيرها الكثير والكثير، وهو ما يجعلنا نقف أمام سؤال مهم، كيف نقيس أعمال الشركات ونُحدّد حجمها، ومتى تكون الشركة متوسطة أو صغيرة؟ وما هي أهمية تحديد حجم الشركات؟ ولماذا يجب أن ندعم الشركات المتوسطة والصغيرة؟ من الناحية العامة فإن حجم الشركات يتم تحديده بناء لعدة عوامل ومعطيات، يأتي على رأسها عدد الموظفين وحجم أعمال وإيرادات الشركة، بينما يقيسها بعض المتابعين بحجم الانتشار أو عدد الفروع العاملة، وكذلك قد يصر البعض الآخر بأن أحجام الشركات تُقاس بعلاماتها التجارية وشهرتها على مستوى الدولة أو العالم، بينما يقفز أحدهم فجأة ليقول عمر الشركات وتاريخ إنشائها هو ما يجعل منها شركات كبرى فهي مثلنا نحن (بني البشر) تكبر وتشيخ مع مرور الوقت، هذا من الناحية العامة، أما من الناحية الاقتصادية البحتة، فالمفهوم مختلف، حيث إن حجم الشركات يعتمد على مقياسين رئيسين وهما حجم العمالة أو عدد الموظفين في الشركة كمقياس أول، والإيرادات السنوية للشركة، أو قيمة المبيعات السنوية لمنتجاتها خلال عام كامل وهو المقياس الثاني، ومع الأخذ بعين الاعتبار بأن هذين الشرطين قد لا يتفقان في كثير من الأحيان، إلا أنه لا يمكن التغاضي عن أي منهما بالمطلق، بل يجب دوما الربط بين أسباب وجود أو غياب أحدهما، ولتوضيح ذلك، فإننا نفترض وجود شخص واحد يتداول تحت اسم شركة في سوق الأسهم وهو ما يجعله، وبالرغم من تحقيقه أرباح كبيرة، لا يُصنّف تحت بند الشركات كبيرة الحجم، والعكس صحيح بالنسبة لشركات التكنولوجيا وبالتي بالرغم من قلة عدد موظفيها مقارنة مع الشركات الإنشائية أو المصانع التقليدية، إلا أنها باتت من أكبر الشركات في العالم، وذلك بفضل حجم أعمالها وإيراداتها السنوية الكبيرة، وهنا تكمن النقطة الأساس، فالاقتصاد يرى تصنيف الشركة عبارة عن مزيج متوازن بين حجم العمالة وقيمة الإيرادات السنوية، بالإضافة لامتداد الشركة وتوسعها الجغرافي وقدرتها على التوسع مع الأخذ بعين الاعتبار نوع النشاط الذي تقوم به الشركة، ومن ثم مقارنتها بمنافسيها المباشرين، وهو ما يجعل حجم الشركة يعتمد على عواملها الداخلية والخارجية أيضا وهو، وإن كان يبدو غير عادل في بعض الأحيان، إلا أنه أصبح إجراء ضرورياً في عصر العولمة والتطور التكنولوجي الذي نعيش فيه. وبالحديث عن الشركات الصغيرة والمتوسطة، فتجدر الإشارة إلى أن معظم دول العالم صنفت الشركات التي يقل عدد موظفيها عن 250 شخصاً على أنها من الشركات الصغيرة والمتوسطة، أما الشركات الكبيرة فهي تلك الشركات التي تتجاوز هذه المعايير المحددة للشركات الصغيرة والمتوسطة ( أكثر من 250 عاملاً)، أما في دولة قطر فقد عرّف القانون هذه الشركات على أنها الشركات المؤسسة وفقاً للقوانين القطرية، والتي لا يزيد حجم قوة العمل بها عن 250 عاملاً، ولا يتجاوز عائدها السنوي 100 مليون ريال قطري، وهنا يجب الإشارة الى أهمية هذه الفئة من الشركات (الصغيرة والمتوسطة) والتي تُمثِّل ما يزيد عن 90% من عدد الشركات في العالم، وهي كذلك الخزان الأول والأهم للنمو والتوسع، والذي غالبا ما يساعد الدعم المباشر لها بخلق فرص عمل متنوعة تساعدها في التوسع والنمو السريعين فتصبح بذلك فرصة استثمارية حقيقية لصغار المستثمرين، والذين ينتقلون من مرحلة البحث عن الفرص لمرحلة المشاركة الحقيقية بالعملية التنموية للدولة، وهو ما يظهر لاحقا بانتقال هذه الشركات مع مرور الوقت لتصبح في مصاف الشركات العالمية الكبرى مستقبلا. وأخيرا وليس آخرا، فإنه وبرأيي الشخصي وبالرغم من أن حجم أعمال الشركات الصغيرة والمتوسطة أقل منها بالشركات الكبرى، إلا أن فرص التوسع والنمو وإمكانية انتقالها لمراحل متقدمة من الإنتاج، ونوع المستثمرين الذين يساهمون فيها قد يكون محفزا أساسيا للدول لدعم وتمويل هذه الشركات، وهو ما يساعد هذه الدول في النهاية على تقليص الفجوة بين المستثمرين وتحقيق توزيع أكثر عدالة للثروات وضمان الاستفادة الأمثل من سياسات الدعم الحكومي، وهنا أستذكر مقولة "جاك ويلش" الرئيس التنفيذي لشركة جنرال الكتريك "قبل أن تصبح قائدا، النجاح يكون في تنمية نفسك، وبعد أن تصبح قائدا، فإن النجاح يكون بتنمية الآخرين".