تخفيض العملة علاج للتدهور الاقتصادي.. أم دليل عليه؟ 1/2

يحكم ارتفاع أو انخفاض أسعار صرف العملات الدولية نظام سعر الصرف الذي تنتمي إليه، فهناك نظام سعر الصرف المثبت، حيث تربط بعض الدول أسعار عملتها بالدولار الأمريكي، ونظام سعر الصرف المرن (المُعوّم)، والذي تحدد آلية السوق سعر صرف العملة فيه بتفاعل قوى العرض والطلب وأسعار الفائدة، ونظام سعر الصرف المُدار، وهو خليط من النظامين السابقين، حيث تكون السلطة النقدية هي اللاعب الرئيسي فيه، وهي وحدها تحدد سعر الصرف. مقدمات عديدة تشير إلى قرب انخفاض أو تخفيض سعر صرف عملة بلد ما، كارتفاع سعر صرف الدولار في السوق الموازي، تراجع الاحتياطيات من العملات الأجنبية، وضع قيود على استيراد السلع وبالذات الضرورية، جفاف مصادر العملات الأجنبية، إن بسبب تراجع الصادرات، أو انخفاض تحويلات العاملين في الخارج، أو تراجع المنح والمساعدات، أو العجز المستمر والمتصاعد في الميزان التجاري، تراجع التصنيف الائتماني، وزيادة الدين الخارجي، تراجع الاستثمار الأجنبي، وعجز الموازنات الحكومية المزمن. وعليه، فلتخفيض سعر صرف العملة أسباب مختلفة تتوقف على اقتصاد البلد المعني، وسياساته الاقتصادية والمالية والنقدية، ومعدلات النمو الاقتصادي، ومعدلات الفقر والبطالة، وحجم الدين العام، وغيرها، ولذلك يمكن الحكم على سعر صرف عملة ما من الأداء الاقتصادي للدولة، كما يمكن تقييم وضع اقتصاد ما من خلال أداء عملته ومدى الثقة بها داخليا وخارجيا. وسعر الصرف يتأثر أيضا بحجم الطلب المتبادل على المنتجات والسلع بين الدولة وشركائها التجاريين الخارجيين، ونوعية الصادرات وحجم الطلب عليها، وحركة رؤوس الأموال من الدولة وإليها، والأهداف المتوخاة من هذا التخفيض كما هو حال الولايات المتحدة مع انخفاض سعر صرف الدولار - يسمى بالدولار الضعيف عندها - الذي يكون وسيلة مقصودة لتعزيز القدرة التنافسية للصادرات الأمريكية في مواجهة المنافسين، وكجزء من عملية مدروسة لتقليل العجز في الميزان التجاري، أي أنه يستهدف النهوض بالاقتصاد الأمريكي لزيادة معدلات النمو فيه، وتحسين مستوى معيشة المواطنين. لكن الواقع مغاير في أغلب دول العالم الثالث، فهي تخَفِّض أسعار صرف عملاتها إداريا، وتلجأ لهذا الخيار مضطرة بادعاء الحاجة الوطنية، أو بحجة إتاحة الفرص لزيادة الصادرات (وهي دول مستهلكة)، وتعاني من العجز في موازينها التجارية أصلا، أو لجذب الاستثمارات الأجنبية، مع أن الخوف من التخفيض أحد أسباب هروب رؤوس الأموال. ارتفاع معدلات التضخم إحدى النتائج الخطيرة المترتبة على انخفاض العملة، بما ينجم عنه من تآكل للقوة الشرائية، وارتفاع الأسعار، خاصة مع غياب سيناريوهات اقتصادية واجتماعية معدة سلفا للتعامل مع آثاره، مما يلعب دورا إضافيا في تراجع مستويات المعيشة للمواطنين من رقيقي الحال والطبقة الوسطى، التي يتراجع دورها، ويتقلص حجمها، ويخفت صوتها، في العالم العربي، باعتبارها ضحية من ضحايا النهج الاقتصادي غير المتوازن أو المنضبط، والذي يؤدي بالضرورة إلى تراجع اقتصادي، من نتائجه زيادة عدم الثقة بمستقبل الاقتصاديات الوطنية وهي تتدهور بفعل الفساد والهدر والفهلوة، ومن مظاهره تخفيض أو انخفاض سعر صرف العملة، والذي يستهدف بالأساس تخفيض مستوى معيشة المواطنين. وبذلك فتخفيض سعر العملة يأتي انتصارا لمنطق السوق الموازي، في دول تعيش ازدواجية سوقية، فهناك سوق موازٍ أسود أكثر كفاءة في قراءة المشهد الاقتصادي العام والتعامل معه، من السوق الحكومي الأبيض، يعكسه الواقع الحقيقي لسعر صرف العملة، مما يجعله يتمتع بمصداقية أكبر، وليبرالية اقتصادية أكثر، بانسجامه مع قانون العرض والطلب، وأدبيات السوق، في مواجهة حكومات يقتصر دورها على ردود الفعل، لتصبح السوق السوداء المعبرة عن حالة الاقتصاد الفعلية، واللطيف أن الحكومات ومستويات القرار المالي والنقدي والسياسي فيها، يلهثون جريا وراء الحركة النشطة للسوق السوداء، ويتجاوبون معها فعلا بتخفيض سعر الصرف، للوصول إلى شكل من التوافق الذي يرضي الطرفين، وكأني بهذه السوق، تلعب دور صندوق النقد الدولي الموازي. تخفيض سعر صرف العملة لا يتوقف عند الحدود المشار إليها، فاستنزاف الاحتياطيات من العملات الأجنبية قد يكون على جدول أعماله، خاصة عندما تعمد الحكومات لحماية السعر الجديد بالضخ من هذا الاحتياطي، لكن نجاح ذلك يظل مرهونا بالسوق السوداء، وطول أمد هذا الضخ، ومدى اقتناع المؤسسات المالية الدولية به، والأهم ثقة المدخرين والمواطنين والمقيمين وتحولهم نحو الدولرة للمحافظة على قيمة مدخراتهم، وهو ما يعني الدخول في المجهول النقدي والمالي والاقتصادي، ليتحول هذا التخفيض، من علاج لمرض اقتصادي، إلى شاهد إثبات على استفحاله.