مشاركة المخاطبين بالتشريع من أهم عوامل تحقق مقاصده

بشكل عام فإن التشريعات تبدأ فكرة ثم تولد على يد المشرع كائناً نابضاً بالحياة، لتنقل الفكرة من حيز التنظير الأكاديمي النظري البحت إلى صعيد التطبيق الواقعي العملي، ومتى انفصل التشريع عن واقع المجتمع واحتياجاته قاربت نهايته، ذلك أن التشريع متى زالت حكمته زال حكمه. وعلى صعيد التشريعات الاقتصادية، فإنها كغيرها من التشريعات إنما تعَبِّر عن حاجيات المجتمع وتفاعلاته، التي تظهر في شكل نشاطات خدمية أو تجارية أو صناعية، والتي تُعبر عن رؤيته ومعاملاته الاقتصادية، سواء كان ذلك على المستوى الفردي أم المؤسسي، الخاص منها والعام، على حد سواء. إن نقطة الانطلاق في التشريعات الاقتصادية، هي التي ستحدد في عالم الواقع جميع القراءات والتفسيرات والتطبيقات المرتبطة بتلك التشريعات، وذلك من حيث الفهم لدى المتعاملين في عالم الاقتصاد والمال أو على حلبة المتخاصمين في حال ولوج سبيل القضاء. وكلما كانت الانطلاقة الأولى أقرب إلى حاجات ومصالح وأهداف الأطراف ذات العلاقة، في ذلك التشريع الاقتصادي، كانت مقاصد ذلك التشريع أقرب إلى النجاح، وأكثر انسجاماً مع المنظومة الاقتصادية، والأهداف الاقتصادية الكلية، للمجتمع والدولة، سواء كان ذلك على المستوى الداخلي أم الدولي. وأول شروط تحقق مقاصد التشريع الاقتصادي، هو شرط مشاركة الأطراف المخاطبة في التشريع، فلو أردنا مثلاً أن نضع تشريعاً يعالج وينظم إشكالية التطوير العقاري، فإنه يجب علينا أن نحدد ماهية المخاطبين بهذا التشريع وفئاتهم وطبيعة علاقاتهم بالتشريع، سواء كانت تلك العلاقة مباشرة أم غير مباشرة وهل هم من اللاعبين الأساسيين أم من غير المؤثرين، وذلك من خلال استقراء بياناتهم المرتبطة بنشاطهم في التطوير العقاري. ولا ننسى أن نأخذ في الاعتبار دور أهم الأطراف المخاطبة بالتشريع العقاري، مثل المطورين العقاريين، وملاك العقارات، وشركات التطوير العقاري، والممولين العقاريين، والوكلاء العقاريين، والسماسرة، وشركات الرهن العقاري، ولا يصح أن نتجاهل المخاطبين في ساحة التنفيذ والتنظيم كدوائر السجل العقاري، وكتاب العدل، والمنوط بهم الإمساك بالسجلات العقارية، والبلديات، وهيئات ومؤسسات التخطيط العمراني، وغيرها والتي لا شك أن رأيها ومشاركتها سيكون لها بالغ الأثر في إنجاح التشريع العقاري. إن أي تشريع لا يتفاعل مع هؤلاء اللاعبين، سيجد طريقاً صعباً في تنفيذه والتفاعل معه، وتحقيق مقاصده التشريعية، ويصبح بذلك معانداً لإرادة المخاطبين، ويدخلنا في صراعات الإرادات غير المعلنة، وتتعطل من ثم حركة البناء التنموي المتكاملة في داخل منظومة التطوير العقاري. وللتعامل مع هؤلاء المخاطبين هناك آليات وأدوات ووسائل ومناهج يجب اتباعها، فلا يكفي على هذا الصعيد إرسال خطابات الإخطار والإعلام، بل يجب أن تكون تلك الآليات والأدوات ذات تواصل فعال حقيقي يضمن المشاركة الفاعلة والحقيقية في إعداد التشريع العقاري، تلك المشاركة هي وحدها الكفيلة بأن تميط اللثام عن أي مشكلات أو عقبات قد تقف عثرة كؤودا في سبيل التطبيق الصحيح والناجع لأحكام ذلك التشريع، ومن ثم استفادة الدولة والأفراد منه. إن المشاركة الفاعلة لأطراف التشريع تتم من خلال الدعوة للمناقشة والحوار بشأن موضوع التشريع وعقد مؤتمرات وحلقات نقاش تدعو لها الجهة صاحبة مشروع التشريع، أو المشرفة على إعداده وصياغته، وتنشط في ذلك مؤسسات المجتمع المدني المهتمة بالنشاط الاقتصادي الذي يعالجه القانون، كجمعيات التجار والمهندسين والمقاولين وجمعيات البيئة والصحة العامة وغيرها لتدلي بدلوها وتنبه المشرع إلى النقاط والمواضيع والمصالح والحاجيات التي تمسهم ويرغبون في ضرورة أخذها في الاعتبار في التشريع العقاري المقترح. حتماً ستؤدي المشاركة الفعالة للأطراف المختلفة إلى وجود الضمانات التشريعية الكفيلة بحفظ مصالح الأطراف ذات العلاقة المباشرة وغير المباشرة بالتشريع. وأول الأطراف الحريصين على وجود الضمانات في التشريع المنظم للتطوير العقاري هم المستثمرون أو المطورون والمشترون أو المستفيدون، فالمطورون يرغبون في فتح باب الاستفادة من الدفعات التي يدفعها المشتري في سرعة التطوير ومضاعفته وتوسعة حجمه، وقدراته على الاقتراض وفي نفس الوقت فإن المشترين يريدون أن يضمنوا لأنفسهم الحصول على العقار الذي تم دفع قيمته أو جزء منها من خلال نظرة على الخارطة أو من خلال رسم هندسي حبيس الأوراق. هنا يتدخل المشرع لينظر إلى مقاصد الأطراف المعنية ويضع لها ضمانات فينظم مسألة البيع على الخارطة ويلزم المطور بفتح حساب ضمان في أحد البنوك يدار بالاشتراك بينه وبين السلطة المختصة لمراقبة المطورين من خلال عدم تفرد المطور بإدارة الحساب بنفسه ولمصلحته وبهذا يتحقق التوازن بين مصلحة المطورين والمشترين وذلك بأن يضمن للمطورين تدفق أموال المشترين ويضمن للمشترين عدم إساءة استعمال أموالهم من قبل المطورين ويمنحهم الحق في مراقبة المطور في الالتزام بالمواصفات والشروط الخاصة بالعقار وتاريخ التسليم، وذلك يحدث المشرع نوعاً من التوازن بين مصالح مختلف الأطراف، فلا يحيف ومن ثم أحدهما، من خلال صون مصالحه على رغبات ومصالح الأطراف الأخرى. إن الرؤية المقاصدية للتشريعات العقارية المتوازنة هي التي تحقق مثل هذه الضمانات وفي حالة غيابها يصبح التشريع عاجزاً عن دفع المستثمرين وتشجيعهم للاستثمار في مجال التطوير العقاري والذي يمثل أهم أعمدة التنمية الاقتصادية للدولة والفرد، على حدٍ سواء.