الحرب الروسية الأوكرانية، هذه الأزمة التي ألقت بظلالها على ما تبقّى من أموال في جيوب المستهلكين الناجين من جائحة كورونا، لتقول لهم وبالفم الملآن (ها أنا ذا) أتيت لأكمل لكم ما بدأت به الجائحة من ترتيب للأولويات، فبعد سنوات من اتجاه الناس في عملية تغيير أولوياتهم لتتحول من الحاجات الأساسية الى الكماليات الترفيهية عاد كثير من الناس في السنتين السابقتين وبفضل ذلك الفيروس الصغير ليُقِرّوا ويعترفوا وبصوت واحد "نعم، الصحة أولا" وبالرغم من أنها حقيقة مُسلّمة في نفوس الجميع، إلا أن البعض كان غالبا ما يُنكِرُها ولو للحظات، ليقول ولو سِرا: أليس المال هو الأساس؟ أليس المال قادر على تأمين المستلزمات الطبية والصحية للجميع؟ فكل شيء وفقا للبعض يُشترى بالمال، وهي الكذبة التي صدّقتها فئة من البشر ودفعنا جميعا ثمنها غاليا في الجائحة لتقف كثيرا من الدول مكتوفة الأيدي بانتظار دورها في الحصول على اللقاح أو حتى الكمامة الورقية والتي باتت تساوى أكثر بكثير من سعرها فارتفعت وفي أحيان كثيرة قيمتها لتعادل لدى البعض حياة إنسان. الآن، وما أن اتفقنا على الأولوية الأولى حتى جاءت الأزمة الروسية الأوكرانية لتقول ومرة أخرى لمن يسأل: إذا كانت الصحة هي الأولوية فما يأتي بعدها؟ وها هي تجيب ودون أدنى شك أيضا لتقول إنه "غذاؤنا وقوت يومنا"، هذه السرعة والثقة بالإجابة هي ما جعلت الأخبار خلال الأيام الأخيرة تتركز وبشكل واضح حول إنتاج القمح وكميات استهلاكه وتوقعات أسعاره المستقبلية، وهو الأمر الذي سرق اهتمامنا كمتابعين متضررين من أي ارتفاع في سعر هذه المادة الحيوية، وهنا يأتي السؤال المهم: لماذا القمح؟ وما هي أهميته؟ وما هي أهم الدول العربية والعالمية إنتاجا واستهلاكا له؟ أولا ومن الناحية العامة وقبل كل شيء فإن القمـح هو أكثر المحاصيل الغذائية أهمية في العالم، حيث يغطي أكبر مساحة من أي محصول غذائي آخر على سطح الكرة الأرضية، هذا ويعتمد مئات الملايين من الناس في جميع أنحاء العالم على الأغذية التي تصنع من حبوبه، سواء عبر استخدامها المباشر أو عبر طحنها لتصبح دقيقاً يدخل في عمل الخبز والكعك والبسكويت والمعكرونة وأطعمة كثيرة أخرى، حيث يبلغ متوسط الاستهلاك السنوي من القمح حوالي 70 كيلوغرام للشخص الواحد سنويا، وهو ما يعكس أهمية هذه المادة في نظامنا الغذائي للمستهلكين حول العالم، والقمح من وجهة نظر زراعية يتبع الفصيلة النجيلية فهو ينتمي إلى مجموعة الغلال أو حبوب الغلال، وهي المجموعة التي تضم أيضا الى جانبه كلا من الأرز والذرة وغيرها من المواد، أما أهم الدول المنتجة للقمح في العالم فهي: الصين والهند ثم روسيا والولايات المتحدة يليهما كلا من كندا وفرنسا وأوكرانيا، وهي الدول التي تساهم مجتمعة بإنتاج حوالي 447 مليون طن متري وهو الذي يبلغ حوالي 60% من الإنتاج العالمي من القمح والبالغ 750 مليون طن متري في العام، وهي الكمية التي قدرها البعض بأنها قد تملأ لمرتين ونصف تقريبًا قطار بضائع يمتد حول العالم. وبالحديث حول الدول العربية فإنه وبناء على الدراسة التي قامت بها "الفاو– وزارة الزراعة الأمريكية" تعتبر مصر أكثر الدول العربية إنتاجا للقمح يليها كل من العراق والجزائر، أما من ناحية الاستهلاك فتتصدر مصر أيضا هذه القائمة ليليها كل من الجزائر والعراق على الترتيب، وهنا يجب الإشارة الى أن المملكة المغربية هي أكثر الدول العربية قدرة على تغطية احتياجاتها المحلية من القمح فهي تُنتج حوالي 2.56 مليون طن سنويا مقابل استهلاكها الذي يقترب من 2.7 مليون طن أي ان انتاجها يمثل حوالي 95% من حاجتها في السوق المحلي. وأخيرا وليس آخرا، فإنه وبرأيي الشخصي، وبالرغم من أن أسعار المواد الغذائية قد وصلت لأعلى مستويات منذ ما يزيد عن العشر سنوات وبالرغم من أن أسعار القمح قد وصلت إلى أعلى مستوى لها منذ ما يزيد عن 14 عاماً، وبالرغم من حاجتنا الفورية لهذه المادة الأساسية كحل مؤقت، إلا أنني أعود وأقول: إن الحل الحقيقي والخلاص السحري يكمن في وضع خطة إنتاج زراعي تقوم على مبدأ توفير الاحتياجات الأساسية للأسواق المحلية، على أن يتم استغلال الأراضي الزراعية بصورة مثالية فنحن أمة تمتلك أموال "النفط والبترول" ومياه "النيل ودجلة والفرات" وأراضي "السودان والعراق ومصر" الخصبة والأيدي العاملة الماهرة في كل زاوية من "مقاهي العاطلين عن العمل" والقدرات الإدارية والتنظيمية في كل "سيرة ذاتية" يرسلها مواطنو هذه الدول للعمل في الخارج، نعم الجواب هو في وضع خطط علمية وعملية قابلة للتطبيق لاستغلال أراضي ومُقدرات هذا الوطن الفسيح، على الأقل لضمان أمن غذائي متكامل يكون بداية لتحقيق حلم مُشترك، وهنا أتذكر الماضي لأقول إن "العرب لم يصلوا الى الأندلس إلا حين كانوا يصنعون ما يحتاجون من سلاح ومنتجات بأيديهم"، وهنا أتذكر مقولة "جبران خليل جبران" وهو الكاتب والشاعر والفيلسوف اللبناني الشهير حين قال "ويل لأمة تأكل مما لا تزرع، وتشرب مما لا تعصر، وتلبس مما لا تنسج".