هنالك ركائز جديدة بُنيت عليها روسيا الاقتصادية بدءا من تطور تكنولوجي كبير ينعكس على الفضاء والاتصالات وإنتاج الأسلحة مع تدخل أقل للقطاع العام مقارنة بما كان يحصل مع الشيوعيين. تحول الاقتصاد إلى الرأسمالية علما بأن العدالة الاجتماعية التي أطلقها ماركس لا يمكن أن تنتج عن أنظمة سوق. كان هنالك اعتقاد غربي بأن سقوط الاتحاد السوفياتي ينهي الدور الروسي، وهذا ما يحاول بوتين استرجاعه بدأ من الجوار الأوكراني. اعتقد الغرب يومها أن النظام الاقتصادي الغربي هو الوحيد الباقي وسيدوم إلى الأبد. روسيا مع بوتين الذي أصبح رئيسا في سنة 2000 عادت إلى حكم الشخص القوي وهذا ما يظهر واضحا مع الأزمة الأوكرانية. المسيرة الروسية لم تكن كلها سلبية بل هنالك إيجابيات مهمة منها استضافة بطولة العالم لكرة القدم في يوليو 2018 والتي أعطت انطباعات مهمة للزوار والمشاهدين. كما أن الدور الروسي في العالم ارتفع معتمدا ليس فقط على الجيش بل أيضا على التكنولوجيا والعلاقات الاقتصادية الدولية الإيجابية. في منطقتنا يمكن القول إن روسيا تملك علاقات ممتازة مؤثرة مع أكثرية الأطراف المتنازعة. أما العقوبات القاسية الأخيرة فتؤثر تدريجيا عليها وعلى الدول والمؤسسات التي لها علاقات عميقة معها. ما هي التأثيرات الاقتصادية للحرب الروسية في أوكرانيا؟ أولا، أسعار الطاقة أي النفط والغاز التي ارتفعت. تأثيراتها على التضخم العالمي ومعيشة الفقراء واضحة وكبيرة. هنالك جانب إيجابي وهو أن ارتفاع هذه الأسعار يشجع أكثر على استعمال الطاقات البديلة وبالتالي يراعي التحديات البيئية. من ناحية الدول المصدرة للطاقة، ارتفعت إيراداتها لكن أقل مما كان متوقعا لأن الطلب لم يكن قويا نتيجة الأوضاع الاقتصادية العالمية المتشنجة. أما أسعار القمح ثانيا، فهي مهمة جدا لمعيشة الفقراء. حجم روسيا وأوكرانيا في تجارة القمح والحبوب كبير، هنالك دول عوضت نقص الإنتاج والصادرات لكن لا بد من تنويع مستقبلي أفضل للمصادر. ثالثا، النزوح السكاني هائل وبملايين الأشخاص، نعرف جيدا في منطقتنا واقع النزوح وتأثيراته الاجتماعية والمالية والإنسانية والبيئية. ما زلنا نعاني من نتائج ما يحصل بين دول المنطقة من انتقال للسكان بسبب الحروب. مشكلة النزوح أنها تظهر أحيانا كأنها مؤقتة أي تنتهي سريعا بعودة النازحين إلى دولهم ومنازلهم، لكن هذا ليس واقعيا خاصة عندما يخسر النازحون منازلهم وأعمالهم وبالتالي تصبح العودة أصعب بكثير. لا بد دوليا من الاهتمام المعنوي بالدول التي تستضيف العائلات والتعويض عليها ماديا، كرومانيا وبولندا في الوضع الأوكراني، كي تستطيع القيام بواجباتها الانسانية. لا بد من أن نكون قلقين تجاه واقع دول قوية تحتل دولا صغيرة أو ضعيفة، وهذا تصرف خطير يمكن أن يمارس في كل القارات. أما الدور الذكي فهو دور الصين التي تراقب وتدعم ظاهريا روسيا لكن دون أن تدخل مباشرة في الصراع حفاظا على ما تبقى من علاقاتها الغربية، ما يجري اليوم يضعف الجميع باستثناء الصين.