اتفاقية خليجية بريطانية

مع تفعيل المادة 50 من معاهدة لشبونة نهاية شهر مارس الماضي لخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، يبدو أن منطقة التجارة الحرة بين دول مجلس التعاون الخليجي والمملكة المتحدة والتي أشرنا إليها في مقالة سابقة ضمن توقعاتنا لتداعيات عملية الخروج ستتحقق أسرع مما هو متوقع بسبب حرص الطرفين على تنمية العلاقات الاقتصادية والتجارية التاريخية ووصولها لمستويات غير مسبوقة. فمن جهة قامت وزارة المالية البريطانية بوضع دراسة للنتائج المتوقعة من توقيع اتفاقية للتجارة الحرة مع دول مجلس التعاون الخليجي مبينة الفوائد التي يمكن جنيها من هذه الاتفاقية وما قد يترتب عليها من نتائج سياسية وإستراتيجية، مما يفسر الحرص الشديد الذي أبدته رئيسة الوزراء البريطانية لتنمية علاقات بلدها بدول المجلس أثناء حضورها القمة الخليجية بالمنامة نهاية العام الماضي. من جانبها طرحت الدول الخليجية مسودة جزئية لاتفاقية التجارة الحرة مع المملكة المتحدة، مما يعبر عن حرص الجانبين على إنجازها بأسرع وقت ممكن، خصوصا أن بريطانيا على اطلاع تام بالعراقيل التي وضعتها المفوضية الأوروبية. إن تطوير هذه العلاقات كان مطروحا على مدى العقود الماضية، بما في ذلك توقيع اتفاقية للتجارة الحرة، وهو ما يعني إلغاء الرسوم الجمركية، إلا أن وجود المملكة المتحدة ضمن الاتحاد الأوروبي أعاق اتخاذ مثل هذه الخطوة المهمة، إذ تعرقلت المساعي المماثلة بين المجموعتين الخليجية والأوروبية على مدى ربع قرن، وذلك بعد أن توقفت المباحثات بصورة عملية بين الطرفين منذ عام 2008. بخروج المملكة المتحدة يصبح الطريق معبدا لتوقيع هذه الاتفاقية والتي يوجد مثيل لها بين دول المجلس والعديد من التكتلات والبلدان، خصوصا وأن الجانب البريطاني يسعى جاهدا لإنجاز ذلك في أسرع وقت لعدة أسباب، يأتي في مقدمتها تعويض بعض الخسائر الاقتصادية والتجارية المتوقعة بعد الخروج من الاتحاد الأوروبي والذي يستحوذ على أكثر من نصف التجارة البريطانية. لذلك تعتبر الأسواق الخليجية سريعة النمو منفذا مهما للصادرات البريطانية، كما أن المملكة المتحدة ستحقق مكاسب من وارداتها من المنتجات النفطية والبتروكيماوية والألمنيوم من دول المجلس، حيث تعد الرسوم الجمركية العالية على هذه المنتجات والتي يفرضها الاتحاد الأوروبي حاليا دون وجه حق سببا في تدنى الصادرات الخليجية. لقد بلغ حجم التبادل التجاري بين المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون في العام الماضي 27 مليار دولار يتوقع أن يتضاعف بعد توقيع اتفاقية التجارة الحرة، بدليل التوجهات الرامية إلى زيادة نسبة التجارة بين الإمارات وبريطانيا بنسبة كبيرة تصل إلى 74% حتى عام 2020، كما يصل حجم الاستثمارات الخليجية هناك إلى 140 مليار دولار، معظمها في القطاع العقاري المزدهر. وبالإضافة إلى التبادل التجاري، فإن التعاون في مجالات الاستثمار والقطاع المالي والسياحة سيشهد نموا غير مسبوق في ظل التسهيلات التي يتوقع أن تصاحب توقيع الاتفاقية، مما سيحول المملكة المتحدة إلى أهم شريك تجاري لدول المجلس على حساب دول أوروبية أخرى عضوة في الاتحاد الأوروبي الذي يعاني من صعوبات جمة. بقي أن يقوم القطاع الخاص الخليجي، وبالأخص غرف التجارة والصناعة منذ الآن بالاستعداد لمثل هذا التحول، وذلك لتحقيق أكبر استفادة ممكنة من السوق البريطانية الكبيرة والتي يمكنها استيعاب العديد من المنتجات الخليجية، كما تمكن إقامة شراكات بين القطاعين في كل من دول المجلس والمملكة المتحدة للاستفادة من الفرص التي توفرها علاقات كل من الطرفين في الأسواق الدولية.