تغير طريق الحرير يشير عمليا إلى تغير الاقتصاد الدولي، حيث انتقل الثقل من أوروبا وبريطانيا تحديدا إلى آسيا والصين. في سنة 1860 كان 68 رجلا ينتمون إلى غرفة التجارة البريطانية في مدينة مانشستر يسيطرون عمليا على طريق الحرير. كان يجمع القطن في كل الدول ويشحن إلى مانشستر، حيث يصنع ثلثا الحرير العالمي ومنها تصدر كسلع نسيجية إلى الأسواق العالمية للاستهلاك. كانت مانشستر أهم مدينة صناعية في العالم وكان العاملون فيها وعبرها من صناعيين وتجار يسيطرون على الاقتصاد العالمي. طريق الحرير القديمة معروفة وكانت تشكل عصب الاقتصاد الدولي لأن القطن كان ركيزة الصناعة العالمية، ومن الصعب تصور عالم من دون ألبسة ونسيج. يقول «سفين بيكرت» في كتابه «إمبراطورية القطن» إن صناعة النسيج والألبسة شكلت الدافع الأساسي للثورة الصناعية التي غيرت العالم. يشكل تطور صناعة القطن والنسيج النموذج الحيوي والأساسي لتطور الاقتصاد العالمي في الصناعة والتوزع الجغرافي والمناطقي. شكل تطور صناعة القطن الدافع للتغيير الاجتماعي أي للعلاقات بين رأس المال والعمل، بين أرباب العمل والعمال في الحقوق والواجبات. لماذا القطن وليس غيره من المواد الأولية؟ للقطن مرحلتان إنتاجيتان مهمتان فريدتان تحتاجان إلى عمل وعمال، الأولى في الحقول والثانية في المصانع. خلقت صناعة القطن تجمعات عمالية طالبت بحقوقها وخلقت صراعا اجتماعيا ساهم في تحسين الأجور وتحرير الإنسان والعامل وتطوير المجتمعات كما في رفع القوة الشرائية. في سنة 1900 كان حوالي 1,5% من سكان العالم يعملون في القطن ومراحله المختلفة. أما اليوم فالواقع تغير مما يشير إلى أن مسيرة القطن تصور بشكل واضح مسيرة تطور الاقتصاد العالمي عبر الإنتاج والإنتاجية. فمسيرة القطن من الحقل إلى المستهلك فريدة ولا تمكن مقارنتها بالمواد الأخرى. حتى القرن الخامس عشر، كانت القوافل البرية تربط الصين بأوروبا مرورا بآسيا الوسطى لتنقل السلع بدءا من القطن إلى المواد الزراعية والصناعية. قال المهاتما غاندي: «عندما كانت الهند تصدر القطن إلى أوروبا، كان الأوروبيون غارقين في مشاكلهم وحروبهم الكبيرة وجهلهم وسوء فهمهم للحضارات والتطور». طريق الحرير الجديدة مختلفة كليا بحيث تبني الصين أو تمول في أكثر من 60 دولة بنية تحتية متنوعة أي حديدية ومائية وفي قطاعات الاتصالات والطاقة والطرق. تشمل ليس فقط أوروبا وآسيا الوسطى، بل أيضا أفريقيا وجنوب شرق آسيا وأوقيانيا. مشروع كبير قلبه الصين يهدف إلى جمع العالم مرتكزا على التكنولوجيا الصينية المتفوقة خاصة في قطاع سكك الحديد والقطارات. تهدف الصين، كما قال الرئيس «شي جين بينغ» الذي جدد له 5 سنوات مؤخرا ويمكن أن يبقى رئيسا مدى الحياة، إلى قيادة العولمة والنظام الرأسمالي العالمي. تهدف إلى استثمار أكثر من 1000 مليار دولار في تمويل مشاريع بنية تحتية تصب في مصلحتها. تتغير الصين ليس فقط في طموحاتها واستثماراتها، بل أيضا في طرق استهلاكها ومعيشتها حيث أصبحت اليوم مثلا المستورد الأول في العالم للحوم.