قد يقودنا بحثنا الدائم عن النجاح والربح إلى الفشل والخسارة، ذلك أننا قد نفرط أو نسيء استخدام الإداة الأهم للنجاح وهي مهاراتنا التفاوضية، وهناك فرق بين التفاوض والجدل العقيم ولكن بعض الناس لا يدرك هذا الفرق، فيمارس الجدل ظناً منه أنه يحسّن عملا، لا شك أن أكثر المهام التي نقوم بها يوميا بكل مهام حياتنا هي التفاوض وبالتالي هو ما يعطي الفاعلية الإنجازية لأعمالنا، لذا لابد أن يتم بالطريقة الصحيحة، ومن أشهر قصص الجدل العقيم ما حدث مع بني إسرائيل "وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ" (67) جدال وليس تفاوض وجهل بالقواعد ثم ( قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ )، السؤال في غير مكانه قاد لفرض القيود التي لم تكن مطلوبة، فلا تسأل عما لا يعنيك عند التفاوض حتى لا تزيد القيود عليك، ثم يعود النص القرآني: ( قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَا شِيَةَ فِيهَا) صدق الله العظيم. إن بين التفاوض والجدل شعرة إذا قطعتها خسرت مكاسب الماضي وطموحات المستقبل، وعلى مستوى الأشخاص فإن ذلك يبني فرقا كبيرا بين المحبوب للناس والمكروه للناس، وعليه تكون النتيجة كارثية إذا ما تم سوء استخدام التفاوض «فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ»، هكذا فعل بنو إسرائيل مع الله وهكذا كان رد الله عليهم. ومن زاوية أخرى هناك مواقف يكون عدم التفاوض فيها هو التفاوض بعينه، عندما تكون الرؤية واضحة والهدف محددا والمصالح كقضية وأستشهد هنا بالنص القرأني: «إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (30) أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ» صدق الله العظيم. طرح مباشر دون الدخول فيما يعبدون من دون الله أو لماذا أو كيف، فقط أتوني مسلمين فما كان الرد من قوم بلقيس إلا أن قالوا: (قَالُوا نَحْنُ أُوْلُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانظُرِي مَاذَا تَأْمُرِينَ) وبعدها بدأ التفاوض بحكمة بالتخطيط والمناقشة وطرح البدائل ونظرت الملكة حولها فرأت تقدم شعبها وثراءه، وخشيت على هذا الثراء والتقدم من الغزو.. ورجحت الحكمة في نفسها على التهور، وقررت أن تلجأ إلى اللين، وترسل إليه بهدية كبادرة تفاوض وترى إلى أين ستؤول الأمور وفِي نفس الوقت ترصد من خلال رسلها قوة سليمان عليه السلام حتى تحدد ما هي فاعلة، ومقصد القول من ذكر ما سلف وهو شتان بين التفاوض والجدل وشتان بين بلقيس وبني إسرائيل، وإلى أن نلتقي هذه تحية وإلى اللقاء.