رأسمالية الكوارث - الجزء الثاني

نستكمل في مقال اليوم ما تعرضنا له من مقتطفات سريعة من كتاب (رأسمالية الكوارث، كيف تجني الحكومات والشركات العالمية أرباحا طائلة من ويلات الحروب ومصائب البشرية)، لكاتبه (أنتوني لوينشتاين).. ففي مؤشرات عالية الدقة وأدلة لا يمكن تجاهلها يسعى الكاتب إلى (إثبات أن الرأسمالية مفترسة بطبيعتها)، فقدم رؤيته مستندا على جملة من النماذج المقاربة والمؤسسة لغايات دراسته، والتي تقود القارئ إلى حقيقة فساد النظام الرأسمالي وتغييبه لقيم (الإنصاف)، في مقابل (مكافأة الجشع). وفقا (لنظام السوق وآلياته)، فحصة الثروة في الولايات المتحدة الأمريكية المملوكة لدى نسبة الـ 0.01 في المائة الأكثر ثراء بها قد تضاعفت أربع مرات منذ عشية ثورة ريغان. وتمتلك نسبة الواحد في المائة الأكثر ثراء بين سكان العالم ما يصل إلى 46 في المائة من مجموع الأصول العالمية. فيما تتحدث المؤشرات بأنه ووفقا لوزارة الزراعة الأمريكية (كان ما يقرب من 14 في المائة من سكان البلاد «يعجزون عن الوصول إلى الطعام الكافي اللازم لحياة نشطة وصحية لجميع أفراد الأسرة»)، فيما تمنح الحكومات الغربية المساعدات للمصارف والشركات الكبيرة بعشرات المليارات لحمايتها من الانهيار برغم ما ارتكبته من (مجموعة من الجرائم العجيبة.. من بينها الاحتيال والتلاعب بعيدا عن أعين الجميع تقريبا ممن كانت تربطهم علاقة عمل مهمة مع البنك، وخداع المستثمرين، وشركات التأمين، والمودعين، وأصحاب المنازل، وحملة الأسهم والمتقاعدين، ودافعي الضرائب..). كما حدث عندما أصدر الرئيس الأمريكي باراك أوباما قرارا بمنح بنك أمريكا (45 مليار جنيه إسترليني من أجل الحيلولة دون انهياره). لم يصل الكاتب إلى الحقائق التي تعكس المرتكز الذي يبني عليها أفكاره وقناعاته بيسر ولكنه تجشم الصعاب وزار أماكن كثيرة حول العالم والتقى بالكثير من المختصين المرتبطين بموضوع دراسته الثرة، ليوفر المعلومات التي يبحث عنها، فماذا اكتشف؟ لقد اكتشف عالما (متخما بالمال، يهيمن عليه انتهازيون يجنون أرباحا فاحشة من استغلال الكوارث، كما يحكمه صيادو الموارد، ومقاولو الحروب، والطفيليون المستفيدون من المساعدات)، هؤلاء هم الذين يعملون بكل ما في وسعهم من نفوذ على الإبقاء على الحروب وإطالة أمدها بهدف (دعم وتشغيل صناعات لديها حصة مالية فيها. هذه الشركات شبيهة بالطيور الجارحة التي تتغذى على جثة حكومية ضعيفة). وأصبحت الشركة أكثر قوة من الدولة. ويكشف (أنتوني لوينشتاين) الكثير من الحقائق الصادمة التي توصل إليها، فالحرب على الإرهاب كنموذج آخر لصناعة الحروب (جلبت ثروات طائلة لا يمكن حصرها لشركات سعت إلى الاستفادة من الخوف: شركة «سي أيه سي آي» الأمريكية التي تخصصت في توفير المحققين لسجن أبو غريب في العراق، كانت متواطئة في ممارسات تعذيب العراقيين، كما أن شركة «بوينغ» أكبر شركة لصناعة الطيران في العالم، كانت متورطة في تسيير رحلات «التسليم الاستثنائي» لنقل أشخاص مشتبه فيهم من أجل تعذيبهم...). ورصد الكاتب تآمرا بين (الشركات متعددة الجنسيات، والمنظمات غير الحكومية، ومسؤولي الحكومة، وقوات الأمم المتحدة المسلحة، وجماعة المعونة، والمتبرعين)، فيما يخص التبرعات السخية التي كانت تتدفق على هاييتي التي (تعد أفقر دولة في النصف الغربي من الكرة الأرضية). ولا يفوت الكاتب الفرصة في إلقاء اللوم على الصحفيين الذين معظمهم يفضلون (العمل بشكل مريح في إطار منظومة) الرأسمالية متجاهلين الشفافية التي يتطلبها العمل الصحفي النزيه. كلما أتقدم في القراءة، وأغوص في أعماق الكتاب تتقلص أمعائي أكثر ويرتفع خفقان قلبي مستشعرا حجم الكارثة التي يعيشها عالمنا المنهك الذي تفترس ثرواته بضع شركات عابرة للقارات، ففي أفغانستان التي زارها الكاتب رأى بأنها (المكان المثالي لازدهار اقتصاد الحرب)، وفي لقائه، بأحد كبار المديرين التنفيذيين في (صناعة الأمن الخاصة)، وهو يشرح طبيعة وخصائص مهامه الوظيفية أكد بأن (شركته تبقى على قيد الحياة بفضل الفوضى).