هل يمكن استنساخ رؤية نهضوية أو تجربة تنموية متكاملة طبقتها دولة من الدول فحققت نجاحا باهرا وقادت تلك الدولة نحو نهضة شاملة في مختلف المجالات والقطاعات، وتمكنت من تحقيق النمو والازدهار والتقدم فيها؟ سؤال ما برح يراودني كلما قرأت عرضا في مقال أو تقرير بشأن التجارب الاقتصادية الناجحة خلال السنوات القليلة الماضية، السنغافورية - الماليزية – البرازيلية والتركية. ومطالبة بلداننا العربية، خاصة تلك التي تعاني من أزمات وديون خانقة، بالاستفادة من تلك التجارب ونسخها لتتمكن من معالجة مشاكلها المالية والعجوزات السنوية المتواصلة وتراجع قيمة عملاتها والوصول باقتصادها إلى ما وصلت إليه الدول المطبقة لتلك التجارب التي باتت نموذجا عالميا. إن دول العالم تشترك في العديد من المحددات والعناصر وتختلف في جوانب كثيرة على ضوء النهج أو الفكر الاقتصادي المطبق - شكل النظام السياسي – الأوضاع الأمنية – طبيعة وثقافة المجتمع ومستوى أفراده التعليمي وأشكال الأزمات والتحديات التي تعاني منها، هل نتيجة لضعف الموارد والثروات أم استشراء الفساد وتغلغله في أوصال المؤسسات وأصحاب النفوذ، أم بسبب نقص الخبراء الاقتصاديين وهشاشة النظام التعليمي ومخرجاته وغياب الأفكار والرؤى القيمة والأبحاث والدراسات التخصصية التي ينبغي أن تحظى بالأولوية، متقدمة المراحل الأخرى لتهيئة الأجواء وإصلاح البيئة للنهوض والتقدم. ومما لا شك فيه أن من بين الأدوات المتبعة لعلاج أي مشكلة (محاولة إلقاء الضوء على تجارب شبيهة ناجحة والاستفادة منها بعد دراسة إمكانية تطبيقها). والعديد من التجارب الاقتصادية الناجحة في عدد من البلدان وجدت قيادات ملهمة وشخصيات قيادية آمنت بأهمية التحولات فأعدت الخطط والبرامج والرؤى بما يتناسب مع طبيعة المشكلة والمجتمع والموارد المتوفرة وإدارتها بـ (عزيمة وهمة عالية وتحدٍ وإيمان بأهمية وجدوى التحول والتغيير، ما جعل من هذه القيادات أيقونات تاريخية ملهمة). فتركيا على سبيل المثال التي بلغ ناتجها الإجمالي المحلي 800 مليار دولار أمريكي في عام 2014 مقارنة بـ 305 مليارات دولار أمريكي في 2003، وتبوأت المركز السادس عشر بين أكبر الاقتصاديات في العالم وسادس اقتصاد (مقارنةً بدول الاتحاد الأوروبي في عام 2013)، أضحت مصدر إلهام لعدد من بلدان الأسواق الصاعدة، حيث زارها ما يزيد على 20 وفداً من الهند وأوزبكستان وكوسوفو وكينيا وأوكرانيا، للتعرف على كيفية الإصلاح الذي اعتمدته لنظام الرعاية الصحية، والتعليم الثانوي، وإعادة هيكلة الجهاز المصرفي، وإدارة المالية العامة، في تأكيد على أن هذه التجارب الرائدة أصبحت متاحة لمعدي ومنفذي السياسات والبرامج الاقتصادية في مختلف دول العالم العازمة والماضية قدما في إصلاح اقتصاداتها وتكييفها بما يتناسب مع ظروفها. وقد انطلقت النهضة الاقتصادية الماليزية في السبعينيات عبر الاستفادة أو تقليد اقتصاديات النمور الآسيوية الأربع (كوريا الجنوبية وتايوان وهونغ كونغ وسنغافورة). في الجزء الثاني من المقال أمثلة ونماذج أخرى نجحت بفضل الاعتماد على الخبرات والتجارب العالمية الرائدة التي كانت واحدة من أهم المحفزات والأسباب لتحقيق الازدهار الاقتصادي فيها.