ترتكز علاقات الدول وروابطها في عالم اليوم، على البحث عن الفرص الاستثمارية عالية القيمة، وتعزيز المصالح الاقتصادية ورعايتها وتقويتها وحمايتها من عبث السياسات وتهوراتها، وتعظيم حجم التبادل التجاري وزيادة عوائده، والعمل على استمرار المباحثات والحوارات وتوقيع الاتفاقيات وإنشاء اللجان وتأسيس المشاريع وإقامة التكتلات وتبادل الخبرات والمعلومات وتمويل الأفكار والمشاريع الصغيرة... لوضع تلك الأهداف والغايات الوطنية موضع التنفيذ، والتي من شأنها تحقيق نمو الاقتصادات وتعظيم مواردها المالية، ورفعة ورخاء وازدهار الشعوب وتوفير فرص العمل والتحفيز على الإنتاجية. ويمكن أخذ العلاقات العُمانية- القطرية كنموذج، في منطقتنا العربية لهذه الحقيقة التي أبان عنها المقال، فالوعي والفهم المشترك والرغبة والإرادة جميعها تجلت واتضحت منذ عقود لدى القيادتين السياسيتين في مسقط والدوحة، وعبرت عنهما الكثير من الزيارات والتنسيقات والاتفاقيات والمشاريع والنمو التجاري، وهو ما استعرضته وتناولته في مقالات عدة نشرتها "لوسيل" في السنوات الماضية. ما يميز هذه العلاقة، كذلك أنها لم تشهد أية توترات أو خلافات سياسية طوال تاريخها تعكر وتشوه صفو التفاهمات والمصالح الاقتصادية، كما حدث بين دول المنطقة، والتي تكاد تعصف بالتكتل الخليجي، فقد ظلت العلاقات بين مسقط والدوحة قائمة باستمرار على الحوار والتشاور والشراكة في الرأي والتوجهات بشأن معظم الملفات السياسية. وكانت الدوحة وما زالت تستقطب العمانيين للعمل في مؤسساتها ومشاريعها وأسواقها وتوفر لهم فرص العمل وتستفيد من خبراتهم وكفاءاتهم في مختلف المجالات والتخصصات. فالزيارة التي قام بها معالي الشيخ عبدالله بن ناصر بن خليفة آل ثاني رئيس مجلس الوزراء ووزير الداخلية القطري إلى السلطنة قبل سنوات، ولقاؤه بصاحب السمو السيد فهد بن محمود آل سعيد نائب رئيس الوزراء لشؤون مجلس الوزراء، شهدت توقيع ما يقرب من ثماني اتفاقيات ومذكرات تفاهم في مجالات الاستثمار والتعدين والنقل البحري والصناعة والبيئة والثقافة. فيما توجت زيارة سمو الأمير الوالد الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني إلى مسقط، في 14 ديسمبر 2011م، بالتوقيع على العديد من الاتفاقيات وتوثيق عرى التعاون الاقتصادي والتأكيد على (الشراكة الاقتصادية بين السلطنة وقطر). ونشطت تلك اللقاءات والزيارات، لتنمية تلك الإنجازات ورفع مستوى التعاون، بشكل أكبر، منذ زيارة حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير دولة قطر في 29 من أكتوبر 2013 للسلطنة، ففي يونيو 2017م قام وفد كبير من رجال الأعمال القطريين يضم نحو 140 رجل أعمال، بزيارة إلى مسقط تستهدف تعزيز العلاقات التجارية بين البلدين، وزيادة التبادل التجاري، إضافة إلى بحث الفرص الاستثمارية المتاحة في كل من قطر وسلطنة عمان، وإمكانية إقامة تحالفات بين رجال الأعمال القطريين والعُمانيين ومشروعات مشتركة، وقد تم التوقيع على العديد من اتفاقيات التبادل التجاري. وتأتي الزيارة التي قام بها جلالة السلطان هيثم بن طارق، إلى الدوحة خلال الفترة من 22 إلى 23 من نوفمبر الحالي، بدعوة من أخيه حضرة صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني أمير قطر، لتفتح آفاقا جديدة لهذا التعاون بين البلدين وأقرت المزيد من الاتفاقيات في مجالات متعددة من بينها تجنب الازدواج الضريبي ومنع التهرب من الضرائب على الدخل ورأس المال والعمل، والاستثمار والسياحة والفنادق والنقل البحري والموانئ، مع الإشارة إلى أن حجم النمو التجاري بين البلدين، شهد نموا بلغ "240% منذ عام 2016"، حتى عام 2019، وإن كان الرقم ما زال متواضعا إلا أنه سائر دون شك باتجاه نمو أكبر في المرحلة القادمة.