استثمار القيمة.. أمن وأمان

ما هي معدلات التضخم؟ وما هي احتمالات الركود؟ وما هي توقعات رفع أسعار الفائدة في اجتماع الفيدرالي الأمريكي القادم؟ ومتى سيكون هذا الاجتماع؟ أسئلة وألغاز نسمعها يوميا في برامج الاقتصاد والمال، هذا يسأل والآخر يجيب، تحليلات ودراسات مُعمّقة، توقعات وتنبؤات، وغيرها الكثير في محاولات مُستمرة لفهم ما يحصل وتوقّع تأثيراته على الاقتصاد الأمريكي والعالمي، عالم صغير وناس يعملون ويُنتجون ويصنعون الأموال نهارا، ثم يستهلكون وبشكل يومي ساعات راحتهم الليلية في محاولة لفهم ما يجري اقتصاديا على هذا الكوكب الكبير، فيشخصون بأبصارهم نحو التلفاز بحثا عن معلومة أو خبر جديد يبنون عليه أحلاما وردية لاستثماراتهم وتحركاتهم المالية القادمة، معلومة تضيء سهراتِهم وتلمع مع أفكارهم لعلّها تساعدهم ولو قليلا في تحديد خطوط اتجاهاتهم فيضبطون ساعتهم ويوجِّهون بوصلتهم نحو مستقبل مُربِح مُزدهر يقوم على أساس أخذ القرار الصائب في التنويع والموازنة بين أعمالهم ومُدّخراتهِم، بين قراراتهم بالاستثمار والتوسع أو الهدوء والإيداعات البنكية، "لكل مقام مقال ولكل زمن رجال" قول مأثور وحكمة مُهِمّة قالها أجدادنا عن الناس قديما وها نحن نطبِّقُها في أموالنا اليوم، نعم لكل شيخ طريقة ولكل استثمار زمان، تغيرات كثيرة وأشكال مُتعدِّدة مرّ بها العالم، أزمات مالية وأخرى صِحيِّة، كوارث طبيعية وأخرى اجتماعية، واجهها البعض كتحديات أمام استمرار أعماله بينما كان ولا يزال يراها البعض الآخر فرصا مثيرة للاهتمام قد تزيد من ثرواته وأمواله، فمن كان يحتفظ بالنقد والكاش بالأمس اشترى اليوم العقار، ومن كان يملك الأرض سابقا باعها الآن ليُسدِّد مستحقاته ويستمر بتسيِير أعماله، فمن منهما يا تُرى كان على حق؟ وما هو الحل والتصرف الأفضل؟ فهل نستثمر بكل ما نملِك، أم ندّخِر ونحفظ أموالنا ليوم أسود نتمنى ألا نراه؟ أسئلة كثيرة وعلامات استفهام أساسية تربط الاقتصاد بالنجاح أو الفشل، وتربط مُستقبلنا بما نُقرِّره اليوم، فإما أن نسعد بنجاحِنا وأرباحنا التي حققناها بقرارات سليمة، وإما أن نندم لضياع فرصة كانت بالأمس بين أيدينا. أولا وقبل كل شيء فإنه من المهم جدا ملاحظة أن المتغيرات السريعة التي يمر بها قطاع الأعمال عبر تقنيات الاتصال والتكنولوجيا الحديثة قد جعلت من الاستثمار عملية مُتغيرة بحد ذاتها، فهي وكما كل شيء حديث في أيامنا هذه "كل يوم في شأن"، يومٌ يكون الادخار فيه هو الأفضل ويوم جديد يكون خلاله إيداع الأموال في البنوك هو الأكثر ربحا ويوم آخر تكون فيه الاستثمارات والعقارات هي الضمانة الأولى لكل الناس، والسؤال المُهِم لماذا تتغير الخيارات الاستثمارية السليمة؟ وما هي علاقتها بالبيانات الاقتصادية وبأسعار الفوائد في البنوك؟ بداية يجب هنا التنويه وبشكل واضح بأن الخيارات الاستثمارية هي دائما خيارات تعتمد على المفاضلة بين الفرص المُتاحة على أن يتم الاختيار بناء لأفضل نسب الأرباح المُتوقع تحقيقها، وبالتالي فإن ما يراه الشخص اليوم فرصة لا تتكرر غالبا ما يكون بناء لمقارنته بين الفرص المُتعدِدة والمتوفرة أمامه في الوقت الراهن، وهو ما يجعل المعطيات أو البيانات تختلف من شخص لآخر فمن يُحقِّق 10 % كأرباح سنوية يرى الـ 7 % نسبة غير مُجدِية أما من يدّخر ماله بين أسوار الخزانات قد يكون سعيدا بأي فرصة استثمارية تعود عليه بالـ 5 %، وهنا يجب معرفة أن الفوائد على الإيداعات البنكية ومن حيث كونها سهلة ومُتاحة للجميع باتت في أيامنا هذه تُعتبر هي المقياس الأساسي ونقطة الصفر التي نقيس على أساسها الفرص المتوفِّرة وبالتالي فإن أي مستثمر رشيد بات يعتبر نفسه رابحا إذا حقّق عوائد تفوق النسب المتعارف عليها للفوائد البنكية والعكس صحيح، وهو نفسه الأمر الذي جعل من رفع نسب الفوائد البنكية في الفترة الأخيرة تحديا كبيرا يواجه الشركات والمستثمرين، فكيف يُمكن أن نُرضي مساهمين وضعوا أموالهم في عُهدتنا وفي مرمى نيران أخطائنا ومخاطراتنا الاستثمارية إذا لم نقُم بتوزيع أرباح تفوق ما يُمكِنهم الحصول عليه من البنوك دون عناء أو مُخاطرة وكيف يُمكن أن نُقنِع مُستثمرا جديدا بالدخول إلى عالم الأعمال إذا لم يرَ أمامه أرباحا غير اعتيادية تتصاعد وتنمو لدرجة تُنسِيه ما قد يفوته من فوائد وتوزيعات بنكية. وأخيرا وليس آخرا فإنه وبرأيي الشخصي فإن الخيارات الاستثمارية مُتاحة دائما ولكن المُفاضلة بينها هي العامل الحاسم في أخذ القرارات المُتعلِقة بها، على أن تكون هذه المُفاضلة قائمة على الأرباح الحالية والأرباح المُتوقع تحقيقها لسنوات قادمة، وبناء على نِسب النمو المتوقعة وهو ما يعطي الميزة التنافسية الأهم لقطاع الأعمال على فكرة إيداع الأموال في البنوك، ففكرة التوسع والعمل على تحقيق نُمو يبقى هو الحلم الحقيقي لكل رائد أعمال أو مستثمر أو حتى تاجر بسيط، وهو نفسه السبب الحقيقي لمواجهة العثرات والسقطات على طريق النجاح والانتصار، وهنا أستذكر مقولة الممثلة الأمريكية "جولي نيومار" حين قالت "لا يمكنك أن تفشل، كلما سقطت، زادت لديك فرص النمو والتغيير".