تتواصل مظاهرات السترات الصفر في تحد غير مسبوق للسلطات الفرنسية مع تزايد مطالبها وحدة احتجاجاتها ليس فقط في العاصمة باريس، ولكن في الضواحي والأقاليم التي تعاني من ميز اجتماعي كبير يمس على وجه الخصوص الطبقة الوسطى الفرنسية التي تملأ الشوارع صخبا وترى في الإصلاح الاقتصادي حاجة ملحة حتى تحافظ على مكتسباتها وتقوي وضعها الاجتماعي. على صعيد آخر، أدت هذه الاحتجاجات إلى أعمال عنف غير مسبوقة وخسائر مادية كبيرة في قطاعات السياحة، الفندقة والنقل قدرتها صحيفة لوفيغارو الفرنسية في الأسبوع الثالث للاحتجاجات بـ 500 مليون يورو. كل هذا دفع الرئيس ماكرون إلى إلقاء خطاب وصف بالعاطفي، حيث حاول إظهار مشاعر التعاطف مع المحتجين واستمالتهم عبر مجموعة من الإجراءات الاقتصادية المتمثلة في الرفع من الحد الأدنى للأجور، إعفاء ضريبي للمتقاعدين ومطالبة المقاولات بدفع علاوات سنوية إضافية للأجراء. ويرى خبراء الاقتصاد أن سلسلة الإجراءات التي أعلن عنها الرئيس ماكرون ستكلف الدولة عدة مليارات يورو من خزينة الدولة، الأمر الذي سيعمّق الدين العام. فالحكومة ستضطر لإيجاد موارد مالية جديدة للتعويض عن الكلفة التي ستترتب عن الإجراءات التي سيعلن عنها الرئيس ماكرون، وذلك من خلال فرض ضرائب على الشركات الكبرى، خصوصا الشركات العابرة للقوميات التي تستفيد من السوق الفرنسي والأوروبي مثل غوغل وآبل وفيسبوك وستاربكس وماكدونالدز. وللخروج من الأزمة سيتعين على الحكومة الفرنسية إقامة برنامج إنقاذ وطني من خلاله تتم إقامة عدالة جبائية وجغرافية بين المراكز والجهات، وخفض بعض الضرائب على الفئات الهشة، وإعادة فرض «ضريبة الثورة» على الأغنياء في صيغة جديدة قد تشمل ضريبة على الممتلكات العقارية. تبدو هذه الإجراءات متأخرة زمنيا مع حدة الحراك الاجتماعي وربما غير كافية، مما يجعل الباب مفتوحا أمام كل التوقعات فالرئيس يسعى إلى فتح حوار اجتماعي مع هذه الحركة، اختراقها وتدجينها لتهدئة الأوضاع حتى يتمكن من إنجاز برنامجه الانتخابي، بينما تتواصل الدعوات للتظاهر ولإسقاط الرئيس. ومن الدروس المستفادة من هذا الحراك الذي يمكن تشبيهه بما حصل في الولايات المتحدة الأمريكية وألمانيا سنة 2011 عبر حركة احتلوا وول ستريت واحتلوا فرانكفورت المناهضتين للعولمة الاقتصادية والتي تطرح مجموعة من التساؤلات حول مصير الديموقراطية التمثيلية في الغرب، كيفية الحكم والحوكمة ومنهج التنمية الذي يستوجب اتباعه في بلدان متشبعة اقتصاديا، إن الأغلبية الانتخابية لا تعني القدرة على التحكم في الشارع وتوجيهه، كما أن إضعاف الفاعليين السياسيين ينتج قوى شعبية غير مؤطرة، كما أسقط هذا الحراك الأفكار التي كانت تروج عن حرب أهلية في فرنسا بدواعي قومية، هوياتية ودينية وأثبت أن الخطر الحقيقي يتجلى في الظلم الاجتماعي.