خطورة التقشف

يستمد الكتاب قيمته من حيث إنه يقدم قراءة معمقة وتحليلا دقيقا ويتضمن نماذج وتجارب عالمية لجأت إلى سياسة التقشف كعلاج لأزماتها الاقتصادية والمالية الناشئة، ويعرض لتأثيراته وانعكاساته من منطلق أنه (فكرة خطرة)، وهو ما تعتمد عليه اليوم دول الخليج لمواجهة تراجع أسعار النفط. ففي اليابان، وفي ثلاثينيات القرن المنصرم وبسبب سياسات (التقشف) لمواجهة (كساد شوا) وهو أكبر انهيار أصاب الاقتصاد الياباني، اكتشفت (مؤامرة من الجيش للإطاحة بالحكومة) نظرا لتخفيض إنفاقه، ما أقنع الجيش الياباني بأنه (في حالة حرب مع النخبة السياسية المدنية بأكملها)، وقد أدت سياسات التقشف إلى خلق (أسوأ ركود في التاريخ الياباني وأثار حملة اغتيالات ضد المصرفيين..). وخلص بليث باستنتاجات أو خلاصات لمجمل ما تضمنه هذا الكتاب الشيق والهادف الذي احتوى على خزانة من المعلومات الاقتصادية والفكرية القيمة، من أهمها:  إن الشعور بسياسات التقشف (يختلف عبر هرم توزيع المداخيل، فالذين في أسفل الهرم يخسرون أكثر ممن هم في قمته لسبب بسيط مفاده أن الذين في القمة يعتمدون أقل على الخدمات التي تنتجها الحكومات، ويمكنهم أن يتحملوا خسائر أكبر لأنهم، في البداية يملكون ثروة أكبر...). فأصحاب الدخول المتدنية والطبقة الوسطى هم الذين يعتمدون على الحكومة في الحصول على العلاج والتعليم والإسكان ودعم الخدمات و(الإعفاءات الضريبية)، فهم إذن الأكثر تضررا من سياسات التقشف، وهو ما نراه ماثلا في مشاعر القلق والتذمر التي تعبر عنها المجتمعات الخليجية في وسائل التواصل بشكل واسع ومتنامٍ. ويصل الكاتب في تعليقاته الموسعة إلى حقيقة أخرى وهي (أننا لا نستطيع تخفيض النفقات وتحقيق النمو في الوقت نفسه)، فالتقشف في حقيقة الأمر يؤدي إلى (تعطيل الموارد والركود)، وهو ما يعمل الجميع على تجنبه خاصة في الأزمات الاقتصادية. في تفصيل أكثر دقة يجيب الكاتب عن سؤال، لماذا التقشف فكرة خطرة؟ لأنها ببساطة، (غير ناجحة عمليا) وفقا للنماذج والتجارب التي قدمها باستفاضة مسندة بالأرقام والمؤشرات والنتائج، إذ إنها (تعمل على تسديد الفقراء ثمن أخطاء الأغنياء) فالأزمات الاقتصادية والمالية دائما ما يقف خلفها قصور في التشريعات والأنظمة القانونية، فشل المخططين والمسؤولين، شهية المقامرين والمضاربين والتجار المنفتحة إلى المزيد من الأموال وأشكال وصور الفساد لتحقيق الثراء، فلماذا تحمل الشرائح الفقيرة والمتوسطة ثمن أخطاء هؤلاء الأغنياء وتصحيح أخطاء ارتكبها النظام الاقتصادي أو السياسي، ولماذا لا يدفع ثمن الفوضى (الأشخاص أنفسهم الذين سببوها؟)، وأخيرا لأنها (لا تؤدي إلى تحفيز النمو) وفقا للعديد من الأمثلة. القائمة التي وضعها الاقتصادي التنموي (جون وليامسون) في العام 1989م فيما عرف بقائمة الـ10 (سياسات يجب فعلها) شكلت (السمات الأساسية) لما يسمى بسياسات (التقشف)، وقد تبنتها مؤسسات (التنمية الدولية التي تتخذ من واشنطن مقرا، وتحديدا صندوق النقد الدولي والبنك الدولي...)، اللذان يفرضان شروطا تقشفية صارمة في مقابل القروض التي تقدمها للدول، وتأكيدا على ذلك فقد أدت سياسات التقشف إلى (دفع إسبانيا واليونان إلى حافة الانهيار الاقتصادي والسياسي وإفقار الملايين من الناس في بقية أنحاء أوروبا الجنوبية)، ويرى الكاتب أن استمرار تطبيق هذه السياسة التقشفية سيؤدي في نهاية المطاف إلى (تفكك منطقة اليورو). إن الاستفادة من القراءات التي يقدمها الكاتب في كتابه المعتمد على نماذج وأمثلة واسعة تشكل أهمية لصناع القرار حول السياسات الاقتصادية في منطقتنا الخليجية.