تخفيض العملة علاج للتدهور الاقتصادي.. أم دليل عليه؟ 2/2

تعاني من العجز في موازينها التجارية أصلا، أو لجذب الاستثمارات الأجنبية، مع أن الخوف من التخفيض أحد أسباب هروب رؤوس الأموال. ارتفاع معدلات التضخم إحدى النتائج الخطيرة المترتبة على انخفاض العملة، بما ينجم عنه من تآكل للقوة الشرائية، وارتفاع الأسعار، خاصة مع غياب سيناريوهات اقتصادية واجتماعية معدة سلفا للتعامل مع آثاره، مما يلعب دورا إضافيا في تراجع مستويات المعيشة للمواطنين من رقيقي الحال والطبقة الوسطى، التي يتراجع دورها، ويتقلص حجمها، ويخفت صوتها، في العالم العربي، باعتبارها ضحية من ضحايا النهج الاقتصادي غير المتوازن أو المنضبط، والذي يؤدي بالضرورة إلى تراجع اقتصادي، من نتائجه زيادة عدم الثقة بمستقبل الاقتصاديات الوطنية وهي تتدهور بفعل الفساد والهدر والفهلوة، ومن مظاهره تخفيض أو انخفاض سعر صرف العملة، والذي يستهدف بالأساس تخفيض مستوى معيشة المواطنين. وبذلك فتخفيض سعر العملة يأتي انتصارا لمنطق السوق الموازي، في دول تعيش ازدواجية سوقية، فهناك سوق موازٍ أسود أكثر كفاءة في قراءة المشهد الاقتصادي العام والتعامل معه، من السوق الحكومي الأبيض، يعكسه الواقع الحقيقي لسعر صرف العملة، مما يجعله يتمتع بمصداقية أكبر، وليبرالية اقتصادية أكثر، بانسجامه مع قانون العرض والطلب، وأدبيات السوق، في مواجهة حكومات يقتصر دورها على ردود الفعل، لتصبح السوق السوداء المعبرة عن حالة الاقتصاد الفعلية، واللطيف أن الحكومات ومستويات القرار المالي والنقدي والسياسي فيها، يلهثون جريا وراء الحركة النشطة للسوق السوداء، ويتجاوبون معها فعلا بتخفيض سعر الصرف، للوصول إلى شكل من التوافق الذي يرضي الطرفين، وكأني بهذه السوق، تلعب دور صندوق النقد الدولي الموازي. تخفيض سعر صرف العملة لا يتوقف عند الحدود المشار إليها، فاستنزاف الاحتياطيات من العملات الأجنبية قد يكون على جدول أعماله، خاصة عندما تعمد الحكومات لحماية السعر الجديد بالضخ من هذا الاحتياطي، لكن نجاح ذلك يظل مرهونا بالسوق السوداء، وطول أمد هذا الضخ، ومدى اقتناع المؤسسات المالية الدولية به، والأهم ثقة المدخرين والمواطنين والمقيمين وتحولهم نحو الدولرة للمحافظة على قيمة مدخراتهم، وهو ما يعني الدخول في المجهول النقدي والمالي والاقتصادي، ليتحول هذا التخفيض، من علاج لمرض اقتصادي، إلى شاهد إثبات على استفحاله.