وجدته مستاء ومحبطا صاحب المقهى الحديث الذي كلفه تأثيثه الفاخر وديكوره الفخم وإعلانات التسويق له أكثر من عشرة آلاف ريال عماني لكي يصبح جذابا وواجهة محببة لأكبر عدد من المرتادين، لكن افتتاحه للأسف صادف أزمة كورونا، فواجه صعوبات جمة في إجراءات الحصول على عاملين من خارج السلطنة بسبب تعقيدات السفر والحجر والحضر أولا، وانخفاض أعداد المرتادين إلى المجمعات التجارية والأسواق والمطاعم والمقاهي، وإغلاقها في مرحلة ثانية، فلم يعد يستقبل الطلبات في مقهاه إلا بعدد أصابع اليد الواحدة في اليوم، هم أصحاب الطلب عن بعد، وهو أقل بكثير من المؤمل وما تضمنته جدوى المشروع. أما طارق صاحب مكتب استقدام العمالة الوافدة وعاملات المنازل، فقد اتصل بي متحدثا عن المتاعب التي يواجهها مكتبه والأضرار التي تسبب فيها كورونا على حياته المعيشية بشكل عام، فعمله شبه متوقف والمعاملات متراكمة على طاولته، وتذاكر الطيران التي حجزها لعشرات العمال وعاملات المنازل تم إلغاؤها بنسبة من الخسائر بسبب القرارات والسياسات المتبعة للتعامل مع فيروس كورونا. وصديقي اضطر إلى إلغاء حجوزات سفره إلى أوروبا، فخسر كل ما دفعه في خطوط الطيران الداخلي بين البرتغال وعدد من المدن الأوروبية الأخرى. أما جارنا الطيب في القرية ففقد إيجار دكانه الملحق بمنزله - إلى أجل غير مسمى - والذي كان يسهم بالقليل في تصريف تكلفة معيشة أسرته إلى جانب راتبه التقاعدي المنخفض أساسا، لأن مستأجره الحلاق أجبره كورونا على إغلاقه إلى أن تنفرج الأزمة، ففقد مصدر رزقه. وتراجعت قيمة محفظة أحمد - الذي التقيت به وتعرفت عليه صدفة في ممشى الشاطئ - إلى أقل من نصف قيمتها، بل وراجعت بعض الشركات نسبة التوزيعات بسبب الظروف المالية التي تمر بها، وهو في حيرة من أمره هل يتخلص من محفظته بخسائر باهظة أم يبقيها في مهب مستقبل مجهول لا مؤشرات تطمئنه بوقف هذا الاستنزاف؟. قضيت ساعات ما قبل تطبيق قرار إغلاق المحلات في المجمعات التجارية والأسواق التقليدية وعدد من الأنشطة التجارية، متنقلا من محل إلى آخر أتقصى تأثيراته على ملامح وتعبيرات أصحاب الأنشطة والعاملين المتضررين منه لغرض إعداد هذا المقال، ورغم الألم والإحباط والقلق إلا أن ما أثار إعجابي حقا الوعي الرفيع بالمسؤولية لدى هؤلاء جميعا، وإدراكهم بالمحنة التي يمر بها العالم، وبلادهم، وشعورهم العميق بأهمية التحمل والصبر والحرص على الإسهام في العلاج ووضع جملة من الحزم التقشفية لتسيير حياتهم، وبث الوعي في محيطهم إلى أن تنفرج الأزمة وضمان الخروج منها بأقل الأضرار. أما خسائر الفنادق وشركات النقل والطيران والمكاتب والأعمال والمواقع السياحية والأسواق الشعبية والمطاعم وأسواق المال والعديد من الأنشطة والأوردة الاقتصادية المرتبطة بها بشكل مباشر أو غير مباشر فلا يمكن تعويضها البتة، وسيحتاج ملاكها وأصحاب المحلات الصغيرة والمتوسطة وهذه المشاريع والأعمال إلى فترات طويلة بعد زوال غمة كورونا ليتمكنوا من التنفس، هذا إذا لم ينتهِ بالكثير منهم إلى إعلان الإفلاس والتوقف عن العمل وعدد جديد من المسرحين، الكارثة الاقتصادية عميقة وآثارها متعددة وأضرارها لا تحصى وعلى جميع الأطراف المشاركة في تحمل الأزمة كل بما يستطيعه. هكذا يواصل كورونا تجفيف جيوب المواطنين البسطاء وأصحاب المحلات والمشاريع الصغيرة ويقود إلى فقدان الملايين لوظائفهم معيدا العالم إلى عصور الكوارث والأزمات المالية الحادة.